بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليس أكثر غموضا من دولة تبدو من الخارج كأنها ساعة سويسرية، بينما يسمع من يقترب منها خفقانا يشبه قلبا يخاف من نفسه. هذا هو المشهد الذي يطل من نوافذ ماتينيون. لا لأن الأخبار تحدثت عن محاولات انتحار أو عن انتحارات أو عن موت أثار الأسئلة، وإنما لأن هذه الوقائع وقعت في أكثر الأماكن التي يفترض أنها تعرف كيف تدير الزمن قبل أن يديرها الزمن. كل حضارة تمتلك مكانا لا يجوز للقلق أن يدخله. كان المصري القديم يظنه المعبد، وكان الروماني يراه مجلس الشيوخ، وكان الفيلسوف يعتقد أنه العقل. أما الجمهورية الفرنسية فكان من المفترض أن يكون ذلك المكان هو قلب الدولة، حيث تصنع القرارات التي تمنح المجتمع توازنه. لكن ماذا يحدث عندما يصبح قلب الجسد هو العضو الذي يحتاج إلى جهاز إنعاش.
هنا تتوقف السياسة، ويبدأ ما هو أقدم من السياسة. يبدأ السؤال الذي لا تحبه الحكومات ولا تجيب عنه الإحصاءات. هل يمكن للمؤسسة أن تمرض كما يمرض الإنسان. وهل للجدران جهاز عصبي. وهل تحفظ الممرات ذاكرة الخطوات التي عبرتها حتى تتعب هي الأخرى. قد يبدو السؤال شعريا، لكنّه أكثر علمية مما نتصور. ففي الفيزياء لا ينهار النجم لأنّه احترق فجأة، بل لأنّه استنفد بصمت الوقود الذي كان يمنحه القدرة على مقاومة جاذبيته. وما إن ينفد الوقود حتى يتحول الضوء نفسه إلى قوة تلتهم مصدره. أليست المؤسسات تشبه النجوم. إنّها تضيء المجتمع سنوات طويلة، ثم يأتي يوم تصبح فيه الطاقة التي كانت تمنحها الحياة هي نفسها ما يدفعها إلى الانكماش.

كل إدارة تبني مع الأيام ما يمكن تسميته بالمناخ الخفي. لا تراه العين، لكنّه يلتصق بالأرواح كما يلتصق الملح بالبحر. المناخ الخفي ليس قانونا ولا تعليمة ولا هيكلا تنظيميا، بل ذلك الهواء غير المرئي الذي يجعل الموظف يدخل إلى مكتبه وهو يشعر إما بأنه يضيف حجرا إلى كاتدرائية، وإما بأنه يضيف ذرة غبار إلى صحراء لا نهاية لها. الغريب أن الإنسان لا ينهار عندما يصبح العمل صعبا، بل عندما يفقد العمل قدرته على تفسير نفسه. التعب لا يقتل. العبث هو الذي يقتل. الصخرة لم تكن عبئا على سيزيف، بل كانت عبئا لأنها لم تكن تقوده إلى مكان. ولو كان في قمة الجبل طفل ينتظر الماء، لتحولت الصخرة إلى رسالة، ولأصبح الألم اسما آخر للمعنى. من هنا تبدأ مأساة الدولة الحديثة. إنّها تنتج الكفاءة بكميات هائلة، لكنها لا تنتج المعنى بالمقدار نفسه. تشيد سلما مذهلا للصعود الوظيفي، لكنّها تنسى أن الروح لا تصعد بالسلالم. الروح لا تعرف الدرجات الإدارية، بل تعرف شيئا واحدا فقط. لماذا أعيش هذا اليوم.
لننظر, قارئي الكريم, إلى المفارقة التي لا تكاد تصدّق. الذّكاء الاصطناعي يتعلّم أن يقلّد الإنسان، بينما المؤسسات تتعلّم، من حيث لا تدري، أن تطلب من الإنسان أن يقلد الآلة. الآلة لا تتعب، إذن لا ينبغي أن تتعب. الآلة لا تغضب، إذن لا ينبغي أن تغضب. الآلة لا تبكي، إذن لا مكان للدّموع في التقارير. وهكذا يصبح الإنسان، من دون أن يشعر، مجرد برنامج يحاول إخفاء الخطأ الوحيد الذي لا تستطيع البرمجيات إصلاحه، وهو أنه ولد بقلب. لكن القلب ليس عضوا بيولوجيا فقط. القلب اختراع فلسفي. إنه آخر مكان في الكون ما زال يرفض أن يخضع للحساب. ولهذا تخشاه الأنظمة جميعها، حتى أكثرها ديمقراطية. فالقلب لا يعترف باللوائح، ولا يوقع على محاضر الاجتماعات، ولا يقرأ التعليمات التنفيذية. إنه يتحدث بلغة لا تظهر في الأرشيف، لكنّها تظهر فجأة في لحظة انهيار واحدة، فتسقط سنوات من الانضباط أمام دقيقة من الصمت.

ربّما لا تكمن المأساة في وجود ضغط إداري. كلّ الحضارات عرفت الضغط. وربما لا تكمن في تغير الحكومات. فالتاريخ الفرنسي نفسه سلسلة طويلة من الانقلابات والتحولات. المأساة الحقيقية أن الزمن تغير شكله. لم يعد الزمن نهرا، بل صار مطرقة. لم يعد يمر فوق الإنسان، بل يمرّ داخله. وكل دقيقة لم تعد وحدة زمن، بل اختبارا جديدا للقدرة على البقاء. نحن نظن أنّ المؤسسات تحفظ الذاكرة، بينما الحقيقة أنّ الذاكرة هي التي تحفظ المؤسسات. فإذا تعبت الذاكرة، تحوّلت القوانين إلى قواقع فارغة، وتحولت المناصب إلى تماثيل تتبادل التحية في مدينة هجرها سكانها منذ زمن. هناك فكرة لم يجرؤ الفلاسفة على قولها صراحة. ربما لأنهم خافوا من بساطتها. وهي أن الدولة ليست اختراعا سياسيا، بل اختراع نفسي. لقد أنشأها الإنسان ليحتمي من خوفه. لكن ماذا لو أصبح الخوف يقيم داخل البيت الذي بناه الإنسان ليهرب منه. عندئذ لن يكون أمامه عدو يهزمه، لأن العدو سيكون قد تعلم أن يرتدي وجه الحارس.
إنّ أكثر ما يرعب في أخبار ماتينيون ليس ما قيل، بل ما لم يقل. فالكلمات دائما تشبه قمم الجبال. أمّا الكتلة الحقيقية فتقبع تحت الأرض. نحن لا نعرف عدد الأرواح التي واصلت عملها وهي تحمل في داخلها ثقبا أسود صغيرا يبتلع الضوء ببطء. ولا نعرف كم ابتسامة كانت في الحقيقة قناعا صنعه التعب حتى لا يحرج الآخرين. يقول علماء الكون إن الثقوب السوداء لا ترى، وإنما تعرف من الطريقة التي تغير بها حركة النجوم حولها. وكذلك اليأس. لا يظهر مباشرة، بل يغير مدارات البشر. يجعل الخطوات أثقل، والنهار أقصر، والكلمات أقل، والضحكة أكثر تعبا. إنه جاذبية لا لون لها. وربما كانت فرنسا اليوم لا تواجه أزمة إدارة، بل تواجه شيئا أشد غرابة. إنّها تواجه لحظة اكتشفت فيها الدولة أن الآلة التي بنتها بإتقان فائق أصبحت تطلب من صانعها أن يتخلى عن هشاشته حتى يسمح لها بالاستمرار. لكنّها نسيت أن الهشاشة ليست عيبا في الإنسان، بل هي البرهان الوحيد على أنه ليس آلة. وحين يكتب مؤرخ بعد قرن سيرة هذا العصر، فلن يقول إن الحضارة الغربية امتلكت أقوى الاقتصادات أو أكثر الإدارات تنظيما. سيكتب جملة واحدة تكفي لتفسير كلّ شيء. لقد بلغت البشرية من الذكاء ما جعلها تعرف كيف تدير العالم، لكنّها نسيت كيف تنصت إلى الهمسة التي تسبق انكسار قلب واحد.
📲 Partager sur WhatsApp