بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
في السياسة البريطانية، حيث تختلط التقاليد العريقة بالتحولات الاجتماعية العميقة، لا تأتي صعود الشخصيات الكبرى عادة من فراغ، بل تكون نتيجة مسار طويل من الاحتكاك بالمجتمع، ومعرفة نبض الشارع، والقدرة على تحويل التجارب المحلية إلى مشاريع وطنية. ومن هذا المنظور، يمثل صعود آندي بورنهام إلى قيادة حزب العمال البريطاني لحظة تتجاوز حدود انتقال سياسي عادي؛ فهو يمثل عودة صوت المناطق المهمشة تاريخياً إلى قلب السلطة في لندن، وعودة سؤال العدالة الاجتماعية والتنمية الإقليمية إلى مركز النقاش الوطني. إن الرجل الذي لُقّب بـ “ملك الشمال” (King of the North) لم يصعد من أروقة وستمنستر فقط، بل من شوارع مانشستر، ومن تجربة حكم محلي حاولت إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. فبورنهام هو قبل كل شيء سياسي بنى شرعيته على فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن بريطانيا لا تختصر في لندن، وأن مستقبل البلاد لا يمكن أن يصنعه مركز واحد بعيد عن واقع الأقاليم.
ولد آندي بورنهام في شمال غرب إنجلترا، وانخرط في حزب العمال منذ سن الخامسة عشرة، وهو ما يعكس ارتباطا مبكرا بالفكر الاجتماعي للحزب وبقضايا الطبقات الشعبية. بعد تخرجه من جامعة كامبريدج في الأدب الإنجليزي، دخل الحياة السياسية ليصبح نائبا في مجلس العموم عن دائرة Leigh بين عامي 2001 و2017. لكن مسيرته لم تكن مجرد مسيرة برلمانية تقليدية، فقد شغل مناصب حكومية بارزة داخل حكومات العمال السابقة، بينها: وزير الدولة للثقافة والإعلام والرياضة, ووزير الدولة للصحة. وهذه التجربة منحته معرفة عميقة بجهاز الدولة، لكنها لم تكن العامل الوحيد في صعوده. فالنقطة التي غيرت صورته السياسية كانت تجربته كعمدة لمانشستر الكبرى بين 2017 2026. هناك، انتقل من رجل سياسي وطني إلى شخصية شعبية مرتبطة مباشرة بحياة الناس اليومية.

لقد جعل بورنهام من مانشستر الكبرى مختبرا لأفكاره السياسية. فبدلا من انتظار الحلول القادمة من لندن، حاول بناء نموذج يقوم على منح الأقاليم قدرة أكبر على إدارة شؤونها. وكان أبرز مشروع ارتبط باسمه هو: شبكة النحلة “Bee Network” وهو مشروع لإعادة تنظيم النقل العمومي في مانشستر الكبرى، عبر وضع شبكة الحافلات ضمن نظام موحد يخضع لإدارة عامة، بهدف:
– خفض الأسعار.
– تحسين الخدمات.
– تقليل الاعتماد على الشركات الخاصة.
– جعل النقل حقا اجتماعيا وليس مجرد خدمة تجارية.
ويرى أنصار بورنهام أن هذا النموذج يمكن أن يصبح مثالا وطنيا يعيد تعريف دور الدولة في الخدمات الأساسية. أما منتقدوه فيرون أن تعميم التجربة على مستوى المملكة المتحدة سيكون اختبارا ماليا وإداريا كبيرا. يحمل بورنهام علاقة خاصة مع هيئة الصحة الوطنية البريطانية (NHS). فخلال توليه وزارة الصحة، ثم خلال مسيرته السياسية اللاحقة، قدم نفسه باعتباره أحد المدافعين عن فكرة أن الصحة ليست مجرد قطاع حكومي، بل أحد أعمدة العدالة الاجتماعية. ويقوم تصوره على دمج أكبر بين:
– الرعاية الصحية
– خدمات كبار السن
– الرعاية الاجتماعية.
فالهدف، حسب رؤيته، هو إنهاء الفصل التقليدي بين علاج المرض ورعاية الإنسان. وهذا الطرح يعكس مشكلة بريطانية عميقة: ارتفاع عدد كبار السن، وضغط الخدمات الصحية، والحاجة إلى نموذج أكثر تكاملا. من أكثر الملفات التي صنعت صورة بورنهام السياسية قضية التشرد. فخلال قيادته لمانشستر الكبرى، حاول تبني مقاربة تقوم على أن السكن ليس فقط قضية اقتصادية، بل قضية كرامة إنسانية. ووضع برامج لمواجهة النوم في الشوارع، معتبراً أن نجاح الدولة يقاس بقدرتها على حماية أكثر المواطنين ضعفا. كما أن قراره بالتبرع بجزء من راتبه لمواجهة الأزمة عزز صورته كشخصية سياسية قريبة من الخطاب الاجتماعي التقليدي لحزب العمال.
من بين أكثر المحطات كذلك تأثيرا في مسيرته دفاعه عن عائلات ضحايا كارثة ملعب هيلزبره عام 1989. فقد لعب دورا سياسيا بارزا في دعم إعادة فتح التحقيقات حول مأساة وفاة 97 مشجعا. هذه القضية منحته احتراما واسعا خارج حدود حزبه، لأنها قدمته ليس فقط كسياسي، بل كشخصية تدافع عن العدالة عندما يشعر المواطنون بأن المؤسسات أخفقت في الإنصاف.فهل يمثل بورنهام نهاية عصر لندن وبداية عصر الأقاليم؟ ربما يكون السؤال الأعمق الذي يطرحه صعود بورنهام هو: هل تحتاج بريطانيا إلى إعادة توزيع السلطة بين المركز والأقاليم؟ فالمملكة المتحدة عانت طويلاً من تركّز الثروة والقرار في لندن، بينما شعرت مناطق صناعية تاريخية مثل شمال إنجلترا بأنها فقدت مكانتها. بورنهام يقدم نفسه كصوت لهذه المناطق. إنه لا يطرح فقط برنامجا اقتصاديا، بل يقدم رؤية سياسية تقول إن استعادة ثقة المواطنين تمر عبر إعادة الاعتبار للمناطق التي شعرت بالتهميش.
يمثل آندي بورنهام نموذجا جديدا في السياسة البريطانية: سياسي خرج من الإدارة المحلية ليحاول إعادة تشكيل الدولة من الأعلى. إنّه رجل الشمال في اختبار الدولة لكن هذا النجاح سيبقى رهينا بتحويل تجربة مانشستر إلى سياسة وطنية قابلة للاستمرار. فبين حلم بناء بريطانيا أكثر عدلا، وتحديات الاقتصاد والخدمات العامة والانقسامات السياسية، يدخل بورنهام مرحلة تاريخية سيكون فيها السؤال الحقيقي: هل يستطيع “ملك الشمال” أن يحكم كل بريطانيا؟
📲 Partager sur WhatsApp