بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
هناك رجال لا يغادرون المكان حين يغادرونه، لأنّهم لا يسكنون البيوت ولا المكاتب، بل يسكنون الذاكرة. وهناك أصوات لا تنطفئ حين يصمت أصحابها، لأنّها تتحوّل إلى نهر سري يجري تحت طبقات الزمن، كلّما عطشت الروح الوطنية عادت لتشرب منه. من هؤلاء الرجال الذين اختاروا لأنفسهم مقاما خارج مقاييس العابرين، الصحفي المغربي مصطفى العلوي، الذي احتفت به وزارة الثقافة في يوليوز من هذه السنة، اعترافا بمسار إعلامي استثنائي، وبصوت لم يكن مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل كان أشبه براية صوتية ترفرف في سماء الوجدان المغربي.
كان مصطفى العلوي يدخل إلى البيوت كما يدخل الضوء من نافذة قديمة في صباح شتوي. لم يكن يطل على المشاهد، بل كان يعبر إليه. كان صوته يحمل شيئا من صلابة الجبال المغربية، وشيئا من دفء المواقد التي تجتمع حولها العائلات، وشيئا من رنين السيوف حين كانت الكلمات تخاض بها المعارك قبل أن تخاض في ساحات القتال. لم يكن مذيعا يقرأ الكلمات، بل كان يمنحها حياة جديدة. كانت الجملة بين يديه تتحول إلى كائن حي، له نبض وخطوات وظلال. وكان البيان عنده ليس زينة لغوية، بل حصانا جامحا يمتطيه المعنى ليصل إلى إبعد نقطة في قلب المستمع.
في زمن كانت فيه الشاشة الصغيرة تشبه نافذة وحيدة مفتوحة على العالم، ظهر مصطفى العلوي كحارس لتلك النافذة، يحمل في صوته ثقل المسؤولية وهيبة اللحظة. كان المغاربة ينصتون إليه لا لأنهم ينتظرون خبرا فقط، بل لأنهم كانوا يبحثون عن ذلك الصوت الذي يمنح الأشياء وضوحها، ويعيد ترتيب الفوضى داخل النفوس. لقد امتلك الرجل سحرا نادرا يشبه سحر كبار الروائيين الذين لا يكتبون الحكايات، بل يخلقون عوالم كاملة من الحبر. كان صوته قادرا على تحويل الاستوديو إلى مسرح، والنشرة الى حكاية، والحدث إلى لوحة معلقة في جدار الذاكرة.
ولعلّ ما يميّز مصطفى العلوي أنّه لم يكن مجرد شاهد على التاريخ، بل كان أحد الأصوات التي رافقت صناعة الوعي خلال مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب. فبكلماته الواثقة، ونبرته المتمكّنة، وبيانه المتدفّق، ساهم في ترسيخ صورة وطنية لدى أجيال كاملة، وجعل من الإعلام جسرا يصل بين الدولة والمجتمع، وبين الحدث ووجدان الناس. كان صوته يشبه مدينة قديمة لا تنام. كلّ نافذة فيها تحمل قصة، وكلّ نبرة تخفي صدى لحكاية. وحين كان يتحدث، كان المستمع يشعر أنّ وراء الكلمات جبالا من التجربة، وصحارى من الصبر، وبحارا من المعرفة.
إنّ بعض الصحفيين يصنعون مسارات مهنية، لكن قلّة منهم يصنعون أساطير صغيرة داخل ذاكرة الشعوب. مصطفى العلوي من هذه القلة، لأنّه لم يترك وراءه فقط أرشيفا من النّشرات والبرامج، بل ترك نبرة كاملة، وطريقة في القول، وهيبة في الحضور. قد تمر السنوات، وقد تتغير الاأجهزة، وقد تولد أصوات جديدة، لكن هناك أصواتا لا تدخل سباق الزمن لأنها تكون قد انتصرت عليه منذ البداية. صوت مصطفى العلوي واحد من هذه الأصوات، صوت خرج من زمن الميكروفون ليصبح جزءا من وجدان أمة. وحين تم تكريمه، لم يكن الأمر مجرد وشاح يوضع على كتف صحفي، بل كان أشبه بأن تضع الثقافة يدها على كتف الذاكرة وتقول لها: هذا واحد من الذين حرسوا الكلمات حتى لا تفقد معناها، ومن الذين جعلوا من الصوت جسرا بين الوطن وأنائه. هكذا يبقى مصطفى العلوي في المخيلة المغربية، لا كاسم في سجل الصحافة فقط، بل كشخصية من حكايات الزمن الجميل، رجل حمل الميكروفون كما يحمل الفارس رايته، ومضى به في دروب الأيام، تاركا خلفه صدى لا يزال يتردد في القلوب.
📲 Partager sur WhatsApp