ضمن سلسلة: “ويخلق من الشبه أربعين”
بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب
قد يكون التشابه بين الأشخاص مجرد مصادفة بيولوجية، لكن بعض الوجوه تتجاوز حدود المصادفة لتستحضر شخصيات اخرى، ليس فقط في الملامح، بل في الحضور، وتعابير الوجه، وإيقاع الحركة، وحتى في الطريقة التي تولد بها الابتسامة على خشبة المسرح أو أمام عدسة الكاميرا. ومن بين هذه المصادفات اللافتة، يبرز تقارب يثير الفضول بين عملاق الكوميديا الفرنسية الراحل لويس دو فينيس والفنان المغربي حسن الفد.
للوهلة الأولى، يستوقف المتأمل ذلك التشابه في تقاسيم الوجه، وحيوية النظرات، والابتسامة التي تسبق الكلمة، وطريقة تصفيف الشعر، لكن مع استمرار المشاهدة يتراجع الحديث عن الملامح ليحل محله الحديث عن شيء أكثر عمقا: الكاريزما الكوميدية التي يمتلكها كل منهما، والقدرة الفريدة على جعل الجسد شريكا أساسيا في صناعة الضحك. لم يكن لويس دو فينيس مجرد ممثل كوميدي، بل كان مدرسة قائمة بذاتها. فقد صنع مجده السينمائي عبر عشرات الأفلام التي أصبحت جزءا من الذاكرة الفرنسية والأوروبية، وفي مقدمتها سلسلة “فانتوماس”، حيث منح الشخصية الكوميدية بعدا استثنائيا، معتمدا على لغة الوجه، وسرعة الانفعال، وإيقاعه الحركي الذي جعله أحد أبرز نجوم الكوميديا في القرن العشرين.
وفي الضفة الأخرى من المتوسط، استطاع حسن الفد أن يؤسس لنفسه مكانة لا تقل خصوصية داخل المشهد الفني المغربي. فمن خلال أعماله المسرحية والتلفزيونية، ثم عبر شخصية “كبور” التي تحولت إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية، نجح في بناء نموذج كوميدي مغربي خالص، يستمد قوته من البيئة المحلية، لكنه يخاطب الإنسان في تفاصيله اليومية، لذلك لم تبق الشخصية حبيسة الشاشة، بل تسللت إلى لغة الناس، وإلى الفضاء الإشهاري، وأصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة.
وإذا كان من المجازفة الحديث عن تأثير مباشر بين الفنانين، فإن المقارنة بينهما تبقى مشروعة من زاوية الحضور البصري والقدرة الأدائية. فكلاهما يمتلك ذلك الوجه الذي يختزل نصف المشهد قبل أن ينطق بالحوار، وكلاهما يعرف كيف يحول نظرة عابرة، أو حركة يد، أو تغيرا خاطفا في الملامح إلى لحظة كوميدية مكتملة العناصر. ورغم هذا التشابه، يبقى لكل واحد منهما عالمه الفني الخاص. فقد تشكلت تجربة لويس دو فينيس داخل مدرسة السينما الفرنسية الكلاسيكية، بينما تشكل مشروع حسن الفد داخل الثقافة المغربية، مستلهما تفاصيل المجتمع المحلي ولهجته وإيقاعه اليومي. وهنا تكمن قيمة المقارنة، فهي لا تبحث عن نسخة من أخرى، وإنما تحتفي بلقاء عابر بين موهبتين استطاعتا أن تمنحا الكوميديا وجها إنسانيا نابضا بالحياة.
لقد غاب لويس دو فينيس عن الدنيا، لكن إرثه الفني ما زال حاضرا في ذاكرة عشاق السينما. أما حسن الفد، فما يزال يواصل رحلته الإبداعية، متنقلا بين المسرح والتلفزيون، ومؤكدا أن الكوميديا الحقيقية ليست مجرد وسيلة للضحك، بل فن يحتاج إلى ذكاء، وإتقان، وقدرة استثنائية على قراءة الإنسان. وهكذا، لا تبدو المقارنة بين الرجلين مجرد حديث عن تشابه في الملامح، بل تأمل في تلك المصادفات الجميلة التي تجعل الفن يتقاطع عبر الأزمنة والثقافات. فإذا كانت الجغرافيا قد فرقت بين فرنسا والمغرب، والزمن قد فصل بين جيلين، فإن لغة الكوميديا الرّاقية ظلت قادرة على الجمع بينهما، لتمنح مقولة “ويخلق من الشبه أربعين” معنى يتجاوز الشكل إلى جوهر الإبداع نفسه.
📲 Partager sur WhatsApp