معاناة في الحياة, و حنين إلى الوطن

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن – الدنمارك

أستسمح لهذا العنوان الطويل، لكنه يعبر بصدق ووضوح عن واقع مؤلم ومصير محتوم يعيشه ملايين المغاربة المقيمين خارج الوطن. نعيش في المنفى، وأستسمح أيضا عن استعمال هذا المصطلح، لأنه في نظر الكثيرين أصدق تعبيرًا من كلمة “المهجر”. فقد غادرنا وطننا، لا طوعا ولا حبا في الابتعاد عنه، وإنما بحثا عن أفق أرحب، وعن حياة كريمة افتقدناها في أرض ولدنا وترعرعنا فيها. قصدنا أوطانا أخرى، استقبلتنا واحتضنتنا، وإن ظل بعض أهلها ينظرون إلينا باعتبارنا غرباء جئنا بحثا عن لقمة العيش ومستقبل أفضل.

في بداية الغربة، كان حلم العودة إلى الوطن يسكن وجداننا، وكنا نمني النفس بأن يأتي اليوم الذي نرجع فيه لنعيش ما تبقى من أعمارنا بين الأهل والأحبة. غير أن السنوات غيرت الكثير من القناعات. فقد استقرت بنا الحياة في بلدان وفرت لنا الأمن والاستقرار والكرامة الاجتماعية، وحققت لنا ما كان بالأمس مجرد حلم بعيد المنال. ومع مرور الزمن، أصبح الكثير منا لا يفكر في مغادرة هذه الأرض الطيبة التي احتضنتنا وآوتنا، ووفرت لنا أسباب العيش الكريم. بل إن الأمر تجاوز الحياة نفسها، فأصبح عدد كبير من مغاربة العالم يفضلون أن يكون مثواهم الأخير في البلدان التي عاشوا فيها، بعدما كانوا يوصون بنقل جثامينهم إلى أرض الوطن. إنه تحول عميق في المشاعر، لا يعكس ضعف الانتماء، وإنما يعكس واقعًا فرضته التجربة الطويلة.

ومع ذلك، فإن الوطن لم ينقطع يوما عن الاستفادة من أبناء المهجر، الذين تقدر تحويلاتهم المالية بمليارات الدراهم سنويا، مساهمة منهم في دعم الاقتصاد الوطني. غير أن هذا العطاء، في نظر الكثيرين، لم يقابله الاهتمام الكافي، ولا المبادرات التي ترد لهم شيئًا من الجميل، بل يشعر عدد كبير منهم بأنهم ما زالوا يعانون الإقصاء والتهميش، خصوصا في ما يتعلق بالمشاركة في تدبير الشأن العام. ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل هو موقف الأجيال الجديدة، المولودة في بلدان الإقامة. فالكثير من أبنائنا وبناتنا لم يعودوا يفكرون في الاستقرار بالمغرب، بل إن بعضهم أصبح يتردد حتى في زيارته للسياحة أو لصلة الرحم، بسبب ما يلاحظونه من تعقيدات إدارية، وسوء المعاملة في بعض المرافق، وخاصة في المطارات والإدارات العمومية. وهي مشاهد تترك في نفوسهم انطباعات سلبية لا تخدم صورة الوطن الذي نحمله في قلوبنا.

ورغم ذلك كلّه، فإن حب المغرب متجذر في وجدانهم. فهم يعتزون بانتمائهم إليه، ويفتخرون برفع رايته في مختلف المحافل الدولية. وما شهدناه بالأمس خير دليل على ذلك، عندما جسد مغاربة العالم أروع صور الوفاء والانتماء، من خلال الانتصار المستحق على هولندا. لقد كان بين هؤلاء اللاعبون من ولد ونشأ هناك، بل ويحمل جنسية البلد الذي يعيش فيه، ومع ذلك اختار الدفاع عن القميص الوطني، وفاءً لوطن الآباء والأجداد، واستجابةً لدعوات الأمهات والآباء الذين ربوا أبناءهم على حب المغرب. كما أن الجماهير المغربية، التي حضرت المباراة بأعداد غفيرة، قدمت صورة حضارية رائعة، وأثبتت للعالم أن مغاربة العالم جسد واحد، يجتمعون كلما تعلق الأمر بصورة وطنهم والدفاع عن رايته وصناعة أمجاده.

ومن هنا، فإن الرسالة اليوم موجهة إلى من يتولون تدبير شؤون البلاد: آن الأوان للالتفات إلى هذه الطاقات المغربية المقيمة بالخارج، التي ترفع اسم الوطن عاليا في الرياضة والاقتصاد والبحث العلمي والثقافة وسائر المجالات. فهؤلاء لا يريدون امتيازات، وإنما يطالبون بحقهم المشروع في المشاركة في بناء وطنهم، والإسهام في تدبير شؤونه، بما ينسجم مع مكانتهم ودورهم الوطني. إن مغاربة العالم، الذين يتجاوز عددهم اثني عشر مليونًا، ليسوا مجرد مصدر للعملة الصعبة، بل هم امتداد حقيقي للمغرب في مختلف أنحاء العالم، وسفراء لقيمه وحضارته وتاريخه العريق. ولن تكتمل كرامة الكثير منهم إلا عندما يشعرون بأن وطنهم يعاملهم شركاء كاملين في الحقوق والواجبات، لا مجرد داعمين للاقتصاد أو ممثلين للمغرب في المناسبات الرياضية. لا يسعني إلا أن أتقدم بأحر التهاني إلى جميع مغاربة العالم، وإلى كل أفراد المنتخب الوطني، على هذا الإنجاز الكبير الذي أدخل الفرحة إلى قلوب الملايين. ونتمنى من أعماق قلوبنا أن يواصلوا مسيرة التألق، وأن يعودوا بالكأس إلى أرض الوطن، فتكتمل فرحة جميع المغاربة داخل الوطن وخارجه.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *