مغاربة العالم والمشاركة السياسية…؟

بقلم الإعلامي حيمري لبشير, كوبنهاكن-الدنمارك

لم يعد مطلب المشاركة السياسية لمغاربة العالم مجرد شعار يرفع في المناسبات أو ملف يعاد فتحه مع كل استحقاق انتخابي، بل أصبح سؤالا دستوريا وسياسيا يرتبط بمدى قدرة المغرب على استكمال مشروعه الديمقراطي، وترجمة المقتضيات الدستورية إلى واقع مؤسساتي يوسع دائرة المشاركة ويعزز الثقة في المؤسسات المنتخبة. فالجالية المغربية المقيمة بالخارج، التي تضم ملايين المواطنين المنتشرين عبر مختلف القارات، لا تمثل فقط رصيداً اقتصاديا من خلال مساهماتها المالية واستثماراتها، وإنما تشكل أيضا ثروة بشرية وفكرية راكمت خبرات واسعة في مجالات السياسة والإدارة والاقتصاد والبحث العلمي، واكتسبت تجارب ديمقراطية داخل دول تقوم على ترسيخ ثقافة المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الشأن العام.

ورغم المكانة التي تحظى بها الجالية في الخطاب الوطني، لا يزال جزء واسع من مغاربة العالم يعتبر أن مشاركتهم السياسية لم تبلغ بعد المستوى الذي يطمحون إليه، خصوصاً فيما يتعلق بالحضور المباشر داخل المؤسسات التمثيلية. ولذلك، تتطلع فئات كثيرة من أبناء الجالية إلى أن تشكل الانتخابات التشريعية المقبلة محطة فارقة في مسار الديمقراطية المغربية، من خلال تفعيل آليات تتيح مشاركة سياسية أوسع، بما ينسجم مع روح الدستور ويعزز اندماج جميع المواطنين في الحياة العامة، أينما كانت أماكن إقامتهم. ولا ينطلق هذا التطلع من رغبة في خلق امتيازات لفئة دون أخرى، بل من قناعة بأن الديمقراطية الحديثة تقوم على توسيع قاعدة المشاركة، والاستفادة من جميع الكفاءات الوطنية، سواء كانت داخل الوطن أو خارجه. فالتنافس السياسي الحقيقي لا يقوم على الجغرافيا، وإنما على الكفاءة، ونزاهة البرامج، والقدرة على خدمة الصالح العام. ومن هذا المنطلق، فإن حضور كفاءات مغربية راكمت تجاربها في الديمقراطيات الغربية يمكن أن يشكل قيمة مضافة للنقاش العمومي، ويسهم في نقل خبرات جديدة في مجالات الحكامة والشفافية وتدبير الشأن العام.

وفي المقابل، لا يخفي العديد من أبناء الجالية شعورهم بخيبة الأمل إزاء تعثر هذا الورش خلال السنوات الماضية، إذ يرون أن النقاش ظل يتكرر دون أن يفضي إلى تنزيل كامل لما يطمحون إليه من مشاركة سياسية فعلية. لذلك، فإنهم يأملون أن تعرف المرحلة المقبلة دينامية جديدة تجعل من الانتخابات القادمة مناسبة لترسيخ الثقة بين المؤسسات ومغاربة العالم، وتعزز الإحساس بأن المواطنة الكاملة لا تتأثر بمكان الإقامة، وإنما تستند إلى الانتماء للوطن والالتزام بخدمته. إنّ الرهان اليوم لا يتعلق فقط بإشراك مغاربة العالم في الاستحقاقات الانتخابية، بل ببناء نموذج ديمقراطي أكثر انفتاحاً، يستفيد من جميع الطاقات الوطنية، ويجعل من التنوع الجغرافي والثقافي مصدر قوة للمؤسسات. فالمغرب، الذي نجح في جعل جاليته إحدى ركائز حضوره الاقتصادي والثقافي والدبلوماسي في العالم، يمتلك فرصة لتعزيز هذا النجاح عبر توسيع حضورها في المجال السياسي، بما يكرس مفهوم المواطنة المتساوية ويمنح التجربة الديمقراطية المغربية بعدا أكثر شمولا.

ويظل الأمل قائما في أن تكون الانتخابات التشريعية المقبلة محطة تاريخية في مسار الإصلاح السياسي، ليس لأنها ستفرز أغلبية أو معارضة جديدة فحسب، بل لأنها قد تؤسس لمرحلة يشعر فيها كل مغربي، داخل الوطن أو خارجه، بأن له مكانا ودورا في صناعة القرار الوطني. فالديمقراطية تزداد قوة كلما اتسعت دائرة المشاركة، وكلما استثمرت الدولة في كفاءات أبنائها دون تمييز، وجعلت من الاختلاف في التجارب والخبرات رافعة لتطوير الأداء المؤسساتي. إنّ مغاربة العالم، الذين حافظوا على ارتباطهم بوطنهم عبر الأجيال، يتطلعون إلى مستقبل يكونون فيه شركاء كاملين في البناء الديمقراطي، مساهمين بأفكارهم وخبراتهم وتجاربهم، إيمانا منهم بأنّ قوة المغرب تكمن في وحدته، وفي قدرته على توظيف جميع طاقاته البشرية لخدمة مشروع وطني جامع، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وفي إطار الثوابت الجامعة للمملكة: الله، الوطن، الملك.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *