بقلم عب الله شوكا
أعاد حادث مقتل أحد المواطنين بمركز سيدي بوعثمان، وفق ما تداولته وسائل إعلام محلية، بعد تعرضه لاعتداء نسب إلى شخص يعاني اضطرابات عقلية، إلى واجهة النقاش العمومي سؤالا بالغ الحساسية: كيف يمكن التوفيق بين حماية الأشخاص الذين يعانون أمراضاً نفسية أو عقلية، وضمان أمن المواطنين في الفضاء العام؟ وتزامن ذلك مع تداول مقاطع وصور من مدينة عين حرودة تظهر شخصا، قيل إنه يعاني اضطرابات عقلية، وهو يتجول حاملا سلاحا أبيض في محيط يضم مواطنين ومستعملي وسائل النقل. وسواء أكدت السلطات تفاصيل هذه الواقعة أو قدمت توضيحات بشأنها، فإنّ حالة القلق التي تثيرها مثل هذه المشاهد تبقى مفهومة، لأنّها تتعلق بأحد أهم حقوق الإنسان: الحق في الأمن والسلامة.
غير أن الأخطر من الحوادث الفردية هو ما يتردد بين الفينة والأخرى من معطيات تتحدث عن نقل أشخاص يعانون اضطرابات عقلية أو نفسية من بعض مراكز الإيواء أو العلاج وتركهم في محيط عدد من المدن. وإذا كانت هذه الادعاءات صحيحة، فإنها تستوجب فتح تحقيق إداري وقضائي لتحديد المسؤوليات، لأن الأمر لا يتعلق فقط بتدبير ملف اجتماعي، بل بمسؤولية الدولة في حماية فئتين في الوقت نفسه: المرضى الذين يحتاجون إلى الرّعاية، والمواطنين الذين لهم الحق في فضاء عام آمن. إن المرض العقلي ليس جريمة، والمصاب باضطرابات نفسية ليس مجرما بحكم حالته، بل هو مريض يحتاج إلى العلاج والمتابعة والرعاية المستمرة. لكن عندما يصل الأمر إلى حالات تشكل خطراً فعليا على صاحبها أو على الآخرين، فإن القانون والأخلاق يفرضان توفير آليات للتكفل الطبي والإحاطة الاجتماعية، لا ترك الأشخاص يواجهون مصيرهم في الشارع، ولا ترك المجتمع يواجه المخاطر المحتملة دون حماية.
ويطرح هذا الواقع أسئلة مؤسساتية لا يمكن تجاهلها: هل تتوفر البنيات الصحية والنفسية المتخصصة بالعدد الكافي؟ وهل توجد آليات فعالة للتنسيق بين السلطات الصحية والمحلية والأمنية في التعامل مع الحالات التي تستوجب تدخلاً عاجلاً؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يتحول التقصير في الرعاية إلى تهديد للأمن العام؟ إنّ المغرب مقبل على استحقاقات دولية كبرى، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030، وهو حدث لا يقتصر على تشييد الملاعب والبنيات التحتية، بل يشمل أيضا الارتقاء بجودة الخدمات الصحية والاجتماعية، وتعزيز الإحساس بالأمن داخل الفضاءات العامة. فصورة الدول هي كذلك بقدرتها على حماية الإنسان، وصون كرامة الفئات الهشّة، وضمان أمن المجتمع. ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، وإنّما فتح نقاش وطني مسؤول حول السياسة العمومية الخاصة بالصحة النفسية والعقلية، وتعزيز الاستثمار في مراكز العلاج والإيواء، وتوفير الأطر الطبية المختصة، ووضع بروتوكولات واضحة للتعامل مع الحالات التي قد تشكل خطرا، بما يحفظ كرامة المرضى ويصون أمن المواطنين في آن واحد.
فإذا كانت الوقائع المتداولة تعكس اختلالات حقيقية، فإن معالجتها لا تكون بالحلول المؤقتة أو بنقل المشكلة من مكان إلى آخر، بل بإصلاح جذري يجعل الرعاية الصحية النفسية جزءا أساسيا من منظومة الحماية الاجتماعية والأمن الإنساني. إن المجتمع يقوى برعايته للفئات الأكثر هشاشة. إنّ حماية المرضى النفسيين من الإهمال، وحماية المواطنين من أي مخاطر محتملة، ليستا مسؤوليتين متعارضتين، بل هما وجهان لواجب واحد تتحمله المؤسسات في إطار دولة القانون، حيث لا يكون أمن المواطن على حساب كرامة المريض، ولا تترك كرامة المريض ذريعة لتعريض المجتمع للخطر.
📲 Partager sur WhatsApp