مغاربة العالم و الانتخابات المقبلة؟

بقلم الصحافي حيمري البشير, كوبنهاكن- الدنمارك

قال لي صديق ذات مساء، وهو يبتسم ابتسامة من يعرف كيف يرمي النكتة ثم يختبئ خلفها:
ـ الأحزاب الوحيدة التي ما زلت أثق فيها هي ستون حزبا! قلت له مستغربا:

ـ وهل بلغ عدد الأحزاب في المغرب ستين حزبا؟

فأجاب بثقة العارف:

ـ نعم… ستون حزبا من القرآن الكريم!

ضحكت، لكنني أدركت سريعا أن الرجل لم يكن يمزح تماما، بل كان يلخص بمرارة حالة فقدان الثقة التي أصبحت تسكن قلوب كثير من المغاربة، داخل الوطن وخارجه، تجاه مشهد سياسي أنهكته الحسابات الضيقة، والوعود المؤجلة، والخطب التي تلمع في مواسم الانتخابات ثم تختفي أسرع من اختفاء السكر والزيت في أوقات الأزمات! ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقبلة، يعود السؤال الثقيل نفسه ليطرق أبواب المغاربة: هل نحن أمام محطة حقيقية للتغيير؟ أم أمام موسم جديد لتبديل اليافطات مع الاحتفاظ بالعقلية نفسها؟

لقد طال الانتظار، حتى صار المواطن المغربي يحصي سنوات عمره بعدد الوعود التي سمعها ولم يرها تتحقق. الأزمة الاجتماعية تخنق الجميع، والقدرة الشرائية تتآكل، والشباب يفتش عن أمل يشبه الوطن فلا يجده إلا في قوارب الهجرة أو عقود العمل بالخارج. أما الفاسدون، فقد نجحوا ـ بكل أسف ـ في تحويل المال العام إلى “غنيمة موسمية”، يتقاسمونها بمهارة تفوق مهارة المنتخبات العالمية في التمرير القصير!

لكن، وسط هذا الضباب، يظل سؤال الإصلاح قائما بإلحاح: من يقف في وجه التغيير الحقيقي؟ ومن يخشى الديمقراطية إلى هذا الحد؟ وهل يعقل أن تبقى بلادنا تؤجل تنزيل مقتضيات دستورية صادق عليها المغاربة منذ سنة 2011 وكأنها مجرد “اقتراحات أدبية” وليست التزامات دستورية؟ إن الحديث عن الإصلاح السياسي في المغرب يظل ناقصا ما لم يتم فتح الباب أمام مغاربة العالم للمشاركة الكاملة في تدبير شؤون وطنهم. فهؤلاء ليسوا مجرد خزائن للعملة الصعبة أو أرقام تُستدعى في خطابات المناسبات الوطنية، بل كفاءات حقيقية تشبعت بثقافة المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام القانون، والتداول الديمقراطي.

الغريب أن مغاربة العالم يعيشون الديمقراطية يوميا في بلدان الإقامة، بينما يطلب منهم عند الحديث عن حقوقهم السياسية في بلدهم الأصلي أن يتحلوا بـ”الصبر الاستراتيجي” الذي طال حتى صار أقرب إلى إقامة دائمة في قاعة الانتظار! الإيطالي المقيم في أمريكا يصوت ويمثل في برلمان بلاده. والفرنسي المقيم في المغرب أو في أي بقعة من العالم يحتفظ بكامل حقوقه السياسية. وحتى عدة دول عربية سبقت إلى إشراك جالياتها في الحياة السياسية الوطنية. أما المغرب، فما تزال فصول المشاركة السياسية لمغاربة العالم معلقة بين الوعود والتأجيل، وكأنها مشروع قانون ينتظر “المصادقة النهائية” منذ عصر الديناصورات السياسية!

إن تفعيل هذه الفصول الدستورية هي ضرورة وطنية وأخلاقية. لأن مغاربة العالم قادرون على المساهمة في تخليق الحياة العامة، ونقل تجارب الديمقراطية الحديثة، وربط الوطن بقيم الكفاءة والشفافية، بدل ثقافة الزبونية التي أرهقت البلاد والعباد. المغاربة في الخارج لا يطلبون يطالبون فقط بحق طبيعي: أن يصوتوا، أن يترشحوا، وأن يكون لهم صوت داخل المؤسسات المنتخبة، مثلهم مثل باقي أبناء الوطن.

لقد تعب الناس من الانتظار، وتعبت الكلمات من التكرار، وتعب الدستور نفسه من النظر إلى فصوله المعطلة! واليوم، ومع اقتراب الانتخابات المقبلة، يتجدد الأمل في أن تكون هذه المحطة لحظة فاصلة في تاريخ المغرب السياسي، لا مجرد موعد جديد لتبادل الشعارات والصور والابتسامات الانتخابية التي تختفي مباشرة بعد إعلان النتائج، وكأنها عروض موسمية للتخفيضات! إن المغرب بحاجة إلى نفس ديمقراطي جديد، وإلى مصالحة حقيقية مع الكفاءات المغربية في الخارج، وإلى إرادة سياسية شجاعة تُخرج فصول الدستور من دائرة “سنفعل” إلى دائرة “لقد فعلنا”. فهل تكون الانتخابات المقبلة بداية حقيقية لتفعيل المشاركة السياسية لمغاربة العالم؟ وهل تقتنع الدولة أخيرا بأن الديمقراطية لا تخشى، بل تبنى بمشاركة الجميع؟ وهل نرى برلمانا يعكس فعلا صورة كل المغاربة، داخل الوطن وخارجه؟ ذلك ما يتمناه ملايين المغاربة…
وذلك ما ينتظره وطن يستحق الأفضل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *