بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
في الشرق الاوسط، حيث لا تمضي الايام في خط مستقيم، بل تسير كأنها متاهة رسمها كاتب غامض على جدار من الرماد، لا تصل الشخصيات السياسية الكبرى الى مواقعها مصادفة. أحيانا تصنعها الحروب، وأحيانا تصنعها الخسارات، وأحيانا أخرى تصنعها تلك المساحات المظلمة التي تتحرك فيها التنظيمات بين التاريخ والدم والذاكرة. في هذا المشهد المعقّد، ظهر اسم خليل الحية، الرجل الذي انتقل من مقاعد الدعوة والعمل التنظيمي الى مقعد القيادة السياسية لحركة حماس، خلفا ليحيى السنوار، بعد مرحلة اتسمت باضطراب شديد داخل الحركة عقب مقتل قيادات بارزة.
ولد خليل الحية في غزة سنة 1960، في مدينة تعرف كيف تحفظ أسماء أبنائها كما تحفظ البحر آثار السفن التي عبرته. نشأ في بيئة دينية محافظة، ثم انتقل الى فضاءات التعليم الديني، قبل أن يصبح واحدا من الوجوه التي ارتبط اسمها بمسار حركة حماس منذ تأسيسها سنة 1987، في زمن كانت المنطقة كلّها تعيش مخاضا سياسيا عاصفا. لم يكن طريقه مفروشا بالهدوء. فقد مر بتجارب السجن لدى إسرائيل، وعاش محاولات اغتيال استهدفته، كما فقد أفرادا من عائلته في سياق الصراع الدائر. وهي تجارب تركت على شخصيته طبقات كثيفة من الذاكرة، كما تترك الرياح آثارها على صخور الجبال القديمة.
لكن السياسة في هذه المنطقة ليست مجرد سيرة أفراد، بل هي نهر جارف يحمل معه جراح الشعوب وحسابات القوى المختلفة. وخليل الحية لا يظهر فقط كشخص، بل كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من القيادات التي تعاقبت على الحركة في ظل ظروف استثنائية. يصفه المقربون منه بأنه رجل يجمع بين الخطاب الديني والخبرة السياسية، وبين العمل التنظيمي والقدرة على التفاوض. فقد كان من الوجوه المشاركة في الملفات السياسية والعلاقات الخارجية، وظهر في مناسبات عديدة ضمن الوفود التي خاضت حوارات واتصالات مرتبطة بالوضع الفلسطيني.

غير أنّ صعوده يأتي في لحظة لا تشبه اللحظات السابقة. فالمنطقة التي يدخل إليها ليست غرفة هادئة، بل سفينة وسط بحر مضطرب، محمّلة بتاريخ طويل من الصراعات والانقسامات والآمال المؤجلة. يرتبط اسم الحية أيضا بعلاقات إقليمية واسعة، تشمل أطرافا مختلفة في المنطقة، وهو ما يعكس طبيعة المشهد السياسي الذي تتحرك داخله الحركة، حيث تتقاطع المصالح والتحالفات في شبكة معقدة يصعب اختزالها في صورة واحدة. في حياة خليل الحية، كما في حياة كثير من الشخصيات التي خرجت من رحم النزاعات، تختلط السيرة الشخصية بسيرة المكان. فالفرد يصبح أحيانا مرآة لعصره، يحمل في ملامحه آثار الحصار والحروب والتحولات السياسية. إن انتقاله الى قيادة المكتب السياسي لحماس لا يمثل مجرد تغيير في الاسم، بل يمثل فصلا جديدا في قصة حركة ولدت من رحم الانتفاضة الأولى، وعاشت عقودا من الصراع مع إسرائيل، وتحولت الى لاعب أساسي في السياسة الفلسطينية والإقليمية.
ويبقى السؤال الأكبر معلّقا في سماء المنطقة: هل تستطيع القيادات الجديدة كسر دائرة الدم التي ابتلعت أجيالا، أم أنّ التاريخ سيعيد كتابة الصفحة نفسها بحبر مختلف؟ في الشرق الاوسط، حيث تشبه السياسة أحيانا قصرا قديما مليئا بالممرات السرية، لا يعرف أحد أي باب سيفتح في الصباح التالي. فالرجال يتغيرون، لكن الأسئلة الكبرى تبقى واقفة عند العتبة، تنتظر إجابات لا تأتي بسهولة. وخليل الحية، الذي وصل الى قمة الهرم السياسي لحماس، يحمل فوق كتفيه ليس فقط عبء قيادة حركة، بل ثقل مرحلة كاملة، مرحلة تبحث منذ عقود عن مخرج من متاهة لا تزال جدرانها ترتفع.
📲 Partager sur WhatsApp