الحلقة السابعة من سلسلة: أسطورة النكتة في الحي المحمدي (المرحوم كيرا)
بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب
لم تكن حياة أسطورة النكتة في الحي المحمدي، المرحوم كيرا، مجرد سلسلة من المواقف الطريفة والنوادر العابرة، بل تقاطعت مع واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المغرب المعاصر، وهي سنوات السبعينيات، التي اتسمت بالتوترات السياسية والإجراءات الأمنية المشددة، فيما عُرف لاحقا بـ”سنوات الرصاص”. ورغم بساطة عيشه وتواضع مظهره، كان كيرا يتمتع بذكاء لافت، وحضور ذهني استثنائي، جعلاه قادرا على تحليل الأحداث السياسية والرياضية بوعي يفوق ما قد يتوقعه منه الكثيرون. كان يتابع أخبار البلاد بدقة، ويقرأ تفاصيل الواقع بعين ساخرة، ليحول أكثر المواقف قسوة إلى لحظة ضحك لا تنسى.
في تلك الحقبة، لم تكن التجمعات الليلية في الأزقة والشوارع تمر مرور الكرام. فمجرد وقوف مجموعة من الأصدقاء لتبادل أطراف الحديث أمام منزل أو في زقاق كان كافيا لاستنفار دوريات الأمن، التي كانت تقوم بحملات مفاجئة تعرف في الذاكرة الشعبية باسم “لاراف”، حيث يقتاد الجميع إلى مخافر الشرطة للتحقق من الهويات واستجوابهم. وهي مرحلة لا تزال محفورة في ذاكرة من عاشوا الستينيات والسبعينيات، قبل أن تنعم الأجيال اللاحقة بمساحات أوسع من الحرية.
وفي إحدى ليالي الحي المحمدي، كان كيرا جالسًا وسط عدد من أصدقائه، كعادته، يحكي ويمازح ويملأ المكان ضحكا. فجأة، توقفت بجانبهم سيارة تجارية تحمل شعار شركة كنور، وترجل منها رجال أمن بزي مدني، كانوا يستعملونها للتمويه أثناء حملاتهم. في لحظات، وجد كيرا ورفاقه أنفسهم محاصرين من كل جانب، وأمروا بالصعود إلى السيارة استعدادا لاقتِيادهم إلى مخفر الشرطة. دبّ الرعب في نفوس الحاضرين، وتبادلوا نظرات القلق، بينما ظل كيرا وحده ثابت الأعصاب، يناقش رجال الأمن بصوت مرتفع وكأنه في جلسة عادية.
وبينما كان يستعد للصعود، وقعت عيناه على شعار كنور المرسوم على السيارة. عندها، لم يستطع أن يقاوم إغراء النكتة، فصاح بصوته الجهوري الذي اعتاد أهل الحي سماعه: “آش هاد الشي؟ أنا كنت كنظن كنور كاين غير بالحولي والدجاج… دابا ولى حتى بالحناش!” في لحظة واحدة، امتزج الخوف بالضحك. لم يعرف رفاقه هل يطلقون العنان لقهقهاتهم أم يكتمون أنفاسهم خشية العواقب. أما رجال الأمن، فقد باغتتهم سرعة البديهة، فانفرجت الوجوه، وانكسر التوتر الذي خيم على المكان.
ولم يكن كيرا شخصا مجهولا بالنسبة للأجهزة الأمنية في الحي المحمدي. فقد كانت شهرته قد تجاوزت حدود الأزقة، حتى غدا معروفا لدى كبار المسؤولين ورؤساء الدوائر والمقاطعات الأمنية، الذين كانوا يدركون أنه ظاهرة شعبية استثنائية، يحمل البسمة أينما حل. بل إن بعضهم كان يوصي أفراد القوات المساعدة بالبحث عنه إذا غاب طويلا، وإحضاره إلى المقاطعة، ليس للتحقيق معه، بل للاستئناس بحديثه، والاستمتاع بخفة ظلّه، مع تقديم المساعدة له كلّما اقتضى الأمر.
لقد أثبت كيرا، مرة أخرى، أن النكتة ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل قد تكون أحيانا أبلغ من الخطب، وأقوى من الخوف، وقادرة على نزع فتيل التوتر في أكثر اللحظات حرجا. وهكذا ظل اسمه، إلى اليوم، حاضرا في ذاكرة الحي المحمدي، بوصفه الرجل الذي كان يواجه صرامة الواقع بابتسامة، ويقهر رهبة اللحظة بقفشة ذكية، لتتحول مواقفه إلى جزء من التراث الشفهي الشعبي الذي لا يزال يروى جيلا بعد جيل.
📲 Partager sur WhatsApp