الفصل الخامس من هارون الرشيد بين حقيقة الوقائع وحقيقة المخيال
بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
من الذي يعرف هارون الرشيد حقا؟ أهو المؤرخ الذي قضى عمره بين المخطوطات، يقلب الروايات، ويوازن بين الأسانيد، ويبحث عن الخبر الأقرب إلى الصدق؟ أم هي شهرزاد، التي لم تحمل قلما، ولم تدخل دارا للحديث، ولم تجلس في مجلس قاض، لكنها استطاعت أن تجعل اسم الخليفة يعبر اثني عشر قرنا من الزمن، من بغداد إلى مدريد، ومن القاهرة إلى باريس، ومن دمشق إلى طوكيو؟ للوهلة الأولى، يبدو السؤال استفزازيا. لكنه، في حقيقته، يكشف عن سوء تفاهم قديم بين التاريخ والأدب. فقد ظل الإنسان، قرونا طويلة، يتعامل مع الحقيقة وكأنها شيء واحد، بينما الحقيقة، في الثقافة الإنسانية، لها وجوه متعددة. هناك حقيقة الحدث. وهناك حقيقة المعنى. وهناك حقيقة الرمز. والخلط بينها هو الذي يجعلنا نطالب القصيدة بأن تصبح وثيقة، ونطالب الوثيقة بأن تصبح قصيدة.
حين كتب محمد بن جرير الطبري أخبار هارون الرشيد، لم يكن يكتب رواية عن رجل استثنائي، بل كان يؤرخ لعصر، ويجمع ما وصل إليه من أخبار، مع وعي بمنهج عصره في النقل والإسناد. ولم يكن همه أن يصف لنا كيف كان الرشيد يبتسم، أو كيف كان يتأمل دجلة عند الغروب، أو ماذا كان يشعر به حين يخلو إلى نفسه. فهذه ليست أسئلة المؤرخ. إنّها أسئلة الروائي. أمّا شهرزاد، فلم تكن معنية بتاريخ الدولة العباسية. كانت معنية بتاريخ الإنسان. ولهذا، لم يكن يهمها عدد الحملات العسكرية التي خرج فيها الرشيد، ولا أسماء الولاة الذين عينهم، ولا تفاصيل الدواوين، ولا مقدار الخراج. كان يهمها شيء آخر. أن تجعل السلطة تسمع صوت المدينة.
ولذلك، فإن الرشيد في ألف ليلة وليلة لا يمثل شخصا. إنّه يمثل فكرة. وفكرة السلطة هنا ليست سلطة السيف. بل سلطة الإصغاء. ليس مصادفة أن كثيرا من حكايات الرشيد تبدأ بسؤال، أو بعجب، أو بخبر يبلغه، فيقرر أن يخرج ليتحقق منه بنفسه. فالحاكم، في عالم شهرزاد، لا يعرف كلّ شيء. بل يبحث عن المعرفة. ويا لها من مفارقة. ففي كتب السياسة، المعرفة تنزل من الأعلى إلى الأسفل. أما في ألف ليلة وليلة، فإنها تصعد من الأزقة إلى القصر. وهنا تكمن عبقرية البناء السردي. لقد فهم الرواة، بحدس فني نادر، أن المدينة لا يمكن أن تكون بطلة إذا بقي الخليفة سجينا لقصره. كان لا بد أن يخرج. لكن خروجه لم يكن رحلة جغرافية. بل كان انتقالا رمزيا. إنّه نزول السلطة من برجها العاجي إلى أرض البشر.
ولهذا، لا ينبغي أن نفهم التنكر في ألف ليلة وليلة بوصفه مجرد وسيلة لإخفاء هوية الخليفة. إنه، في عمقه، إعلان عن أن الحقيقة لا تكشف وجهها للسلطة إلا إذا تخلت، ولو مؤقتا، عن مظاهر سلطتها. إنّها فكرة أدبية مدهشة، سبقت بكثير ما ستعرفه الفلسفة السياسية الحديثة من حديث عن المسافة بين الحاكم والمحكوم. لكن، هل يعني ذلك أن شهرزاد كانت أصدق من الطبري؟ كلا. كما أن الطبري لم يكن أصدق من شهرزاد. إن كلا منهما كان وفيا لعقد مختلف مع قارئه. المؤرخ يقول للقارئ: سأروي لك ما استطعت الوصول إليه من أخبار. أمّا الحكاء فيقول: سأروي لك ما يجعلك ترى الإنسان بصورة أعمق، ولو استعنت بالخيال. ومن الظلم أن نحاكم أحدهما بمعيار الآخر.
إن الحقيقة التاريخية تشبه المرآة. تعكس ما يقف أمامها، بما فيه من تفاصيل، ونقص، وخدوش. أمّا الحقيقة الأدبية، فتشبه الزجاج الملون في نوافذ الكاتدرائيات القديمة. إنّها لا تعكس الواقع. بل تجعل الضوء نفسه يكتسب معنى. ومن هنا، فإنّ الأدب لا ينافس التاريخ. إنّه يفسره بطريقته. ولا يلغي الوقائع. بل يمنحها حياة داخل الوجدان. ولو افترضنا، جدلا، أن جميع حكايات هارون الرشيد في ألف ليلة وليلة لم تقع قط، فهل تفقد قيمتها؟ الجواب: لا. لأن قيمتها لا تقوم على وقوعها. بل على قدرتها على كشف الإنسان. إنّها تعلمنا كيف كانت المجتمعات تتخيل العدالة. وكيف كانت ترى السلطة. وكيف كانت تحلم بالحاكم الذي يسمع شكوى المظلوم بنفسه، ويخرج إلى الناس من غير حجاب. وربما لم يكن ذلك وصفا لهارون الرشيد. لكنه كان، بلا شك، وصفا للحاكم الذي كانت المخيلة الشعبية تتمنى وجوده. وهذا، في ذاته، وثيقة. ليس عن التاريخ السياسي. بل عن التاريخ النفسي للمجتمع.
وهنا تتبدى المفارقة التي تجعل من هارون الرشيد حالة فريدة. فالمؤرخ حفظ الرجل. أما الأدب، فقد حفظ حلم الناس به. والفرق بين الأمرين يشبه الفرق بين صورة التقطتها آلة تصوير، ولوحة رسمها فنان. الصورة تقول لك: هكذا كان الوجه. أما اللوحة فتقول: هكذا رآه القلب. ولا غنى للإنسان عن أي منهما. فمن دون الصورة، يضيع الواقع. ومن دون اللوحة، يضيع المعنى. ولذلك، فإن السؤال الصحيح ليس: من كتب هارون الرشيد الحقيقي؟ بل: أيّ حقيقة نبحث عنها؟ إن كنا نبحث عن تاريخ الدولة العباسية، فإن طريقنا يمر عبر الطبري وابن الأثير وسائر المؤرخين. وإن كنا نبحث عن الكيفية التي حلم بها العقل العربي بالسلطة والمدينة والعدل والدهشة، فإن طريقنا يمر عبر شهرزاد. ولعل عظمة الحضارة العربية أنها لم تكتف بأن تنجب مؤرخين كبارا. بل أنجبت أيضا حكاءة عظيمة، استطاعت أن تمنح التاريخ جناحين. فطار. ولم يعد منذ ذلك الحين أسير المخطوطات وحدها، بل صار يسكن أيضا ذاكرة الإنسانية.
يتبع…
📲 Partager sur WhatsApp
الحقيقة هو أن ليس ثمة ” شخصية تسكن حقيقيتها” بالفعل، كل ما هنالك، بما في ذلك أي شخص حتى الآن، يسكن ذاته، مادامت تتدخل اللغة والتنقل على الخط. فقط نحن
” نكتري سكن” ذواتنا في الصور التي تنحت لنا في الكلام والكلام.
ما يزيد أمر صورت- ما تعقيدا هو تدخل الإدراك الذي يبني الحدوس ويركب الصور تركيبا. ما جعل هذا التدخل للذات في نحت الصورة ذهني هو في حد ذاته تأويل وصنع تمثلي،تلعب فيهما اللغة لعبتها بالمؤول وما يريد صنعه ، كموضوع، كصورة، وهو المسمى ” فعل موضعة” objectivation للعقل بمختلف كلماته. وهو ما يضع مسألة الحقيقة السؤال. وعليه ليس هناك صورة ” حقيقة في ذاتها ” لهذه الشخصية اي هارون، بقدرما هناك صور بلورية من صناعة الكتابة في مختلف فنونها….