مغاربة العالم.. من أجل مواطنة كاملة

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن – الدنمارك

ليست المشاركة السياسية لمغاربة العالم مطلبا ظرفيا يرتبط باستحقاق انتخابي، ولا قضية موسمية تعود إلى الواجهة كلّما اقترب موعد الاقتراع، بل هي ورش وطني يعكس مدى نضج التجربة الديمقراطية المغربية، وقدرتها على استيعاب جميع أبنائها، داخل الوطن وخارجه، في إطار المواطنة الكاملة التي كرسها الدستور، والتي لا ينبغي أن تقف عند حدود الجغرافيا. لقد أثبت مغاربة العالم، على امتداد عقود، أنهم جزء أصيل من المشروع الوطني. ساهموا في دعم الاقتصاد الوطني، وحافظوا على ارتباطهم الثقافي والحضاري بوطنهم، وكانوا سفراء للمغرب في بلدان الإقامة، ينقلون صورته، ويدافعون عن مصالحه، ويجسدون قيمه في مختلف المحافل. ولذلك، فإن الحديث عن مشاركتهم السياسية لا يتعلق بمنح امتياز جديد، وإنما باستكمال حق طبيعي ينسجم مع روح الدستور، ومع التحولات التي يعرفها المغرب.

وتقول الحكمة إنّ «الأوطان تكبر كلما اتسعت دائرة الثقة بين الدولة ومواطنيها»، كما أن المشاركة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتعزيز الانتماء، وتجديد الثقة، وإغناء القرار العمومي بتجارب متنوعة وخبرات راكمها أبناء الوطن في أكبر الديمقراطيات العالمية.لقد راكم مغاربة العالم خبرات سياسية ومؤسساتية في مجتمعات تقوم على سيادة القانون، وتكافؤ الفرص، واحترام المشاركة المدنية. ولم يكن هذا الاحتكاك سببا في الابتعاد عن الوطن، بل زادهم ارتباطا به، وإيمانا بأنّ المغرب يمتلك من المؤهلات ما يجعله قادرا على تطوير نموذجه الديمقراطي بما ينسجم مع خصوصيته وتاريخه وإرادة الإصلاح التي ميزت مسيرته خلال العقود الأخيرة.

وإذا كانت المحطات الانتخابية تمثل دائما فرصة لتجديد النخب، وإحياء الأمل، وتعزيز الثقة في المؤسسات، فإن الاستحقاقات المقبلة تشكل مناسبة أخرى لإبراز المكانة التي يحتلها مغاربة العالم في المشروع الوطني. فالديمقراطية لا تقاس فقط بعدد صناديق الاقتراع، وإنما بقدرتها على احتضان جميع مكونات الأمة، وإتاحة الفرصة لكل الكفاءات للمساهمة في صناعة القرار وخدمة الصالح العام. إن الجالية المغربية لا تقدم نفسها بديلا عن أحد، ولا تنافس أي طرف، بل تمد يدها للمشاركة والبناء. فهي تزخر بكفاءات علمية، واقتصادية، وقانونية، وثقافية، وإدارية، راكمت تجارب رائدة في أكبر المؤسسات الدولية، ويمكن لهذا الرصيد أن يشكل قيمة مضافة للمغرب في مرحلة تتطلب تعبئة جميع الطاقات الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار المرافعة من أجل المشاركة السياسية يظل تعبيرًا عن الإيمان بالمؤسسات، وعن الحرص على توسيع فضاء الديمقراطية، وترسيخ مبدأ المساواة بين جميع المواطنين، أينما كانت أماكن إقامتهم. فالمواطنة لا تتجزأ، والانتماء لا يقاس بالمسافة، وإنما بصدق الوفاء للوطن والاستعداد لخدمته.

وتبقى الثقة راسخة في الرؤية الإصلاحية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، باعتباره الضامن لوحدة الأمة، والحريص على تعزيز دولة المؤسسات، وتوسيع مجالات المشاركة، وترسيخ النموذج المغربي القائم على الاستقرار والإصلاح المتدرج. وهو ما يجعل مغاربة العالم ينظرون إلى المستقبل بكثير من التفاؤل، إيمانا بأن كل إصلاح حقيقي يبدأ بالإنصات إلى جميع مكونات الأمة، والاستفادة من جميع كفاءاتها. إن مغاربة العالم لا يطلبون أكثر من أن يكونوا شركاء في صناعة مستقبل وطنهم، وأن يترجم ارتباطهم العميق بالمغرب إلى مشاركة فعلية في مساره الديمقراطي. فالوطن يتسع لجميع أبنائه، والدول القوية هي التي تجعل من تنوع تجارب مواطنيها مصدرا للقوة، لا سببا للتّباعد. وسيظل مغاربة العالم، كما كانوا دائما، أوفياء لثوابت وطنهم، مؤمنين بأنّ المغرب يتقدم بوحدة أبنائه، وبمشاركة جميع كفاءاته، وبترسيخ ديمقراطية تجعل من المواطن، أينما وجد، شريكا في البناء، ومسؤولا في حمل الأمانة، ومساهما في صناعة مستقبل وطن يليق بتاريخ المغاربة وطموحات الأجيال القادمة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *