بقلم الإعلامي حيمري البشير,كوبنهاغن- الدنمارك
ليست المشكلة في أن يفرح المغاربة بانتصار منتخبهم الوطني، فالفرح حق مشروع، والانتصار لحظة إنسانية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. لكن المشكلة تبدأ عندما يفقد الفرح حكمته، ويتحول إلى سلوك يُقرأ باعتباره استفزازاً لمشاعر شعب احتضن مئات الآلاف من المغاربة، وفتح لهم أبواب الكرامة والعيش الكريم، ومنح أبناءهم فرص التعليم والتكوين والعمل، وجعل منهم جزءا من نسيجه الاجتماعي.لقد شهدت بعض المدن الهولندية، عقب فوز المنتخب المغربي، مظاهر احتفال خرجت عن إطار التعبير الحضاري، وتحولت في بعض جوانبها إلى رسائل خاطئة، لا تخدم صورة المغاربة ولا تعكس القيم التي تربى عليها الشعب المغربي، المعروف عبر تاريخه بالاحترام والاعتدال وحسن المعاملة.
والمؤلم أن من قاد جانبا من تلك المشاهد شباب ولدوا على الأرض الهولندية، ونهلوا من مدارسها وجامعاتها، وترعرعوا في مؤسساتها الرياضية، واستفادوا من منظومتها الاجتماعية، ثم اختار بعضهم تمثيل المغرب رياضيا، وهو اختيار مشروع لا ينازعهم فيه أحد. غير أن الانتماء للوطن لا يكون بإهانة وطن آخر منحهم الأمن والكرامة، ولا يكون الفخر بالمغرب على حساب احترام البلد الذي احتضنهم. إن الشعوب العظيمة تقاس بأخلاقها ساعة النصر، لا بانفعالاتها ساعة الفرح. فالانتصار الحقيقي ليس في هزيمة الخصم داخل الملعب، وإنما في المحافظة على القيم الإنسانية خارج الملعب. أما الشماتة، أو استفزاز الجماهير المهزومة، أو تعطيل الحياة العامة، أو الصدام مع قوات الأمن، فلا يمت بصلة إلى الروح الرياضية، بل يسيء إلى المنتصر قبل المهزوم.
الهزيمة الرياضية قاسية على كل الشعوب. والهولنديون، شأنهم شأن غيرهم، كانوا يحلمون بمواصلة المشوار نحو اللقب، ومن الطبيعي أن يعيشوا لحظة حزن وإحباط بعد الإقصاء. وكان من مقتضيات الحكمة والوفاء أن تحترم تلك المشاعر، لا أن تستفز، وأن يقابل حزنهم بالتقدير لا بالتشفي، وبالرقي لا بالاستعراض. إن كرة القدم ليست ساحة لتصفية عقد الهوية والانتماء، وليست ميداناً لإثبات الولاءات على حساب التعايش. إنها رسالة عالمية قوامها الاحترام والتنافس الشريف، وجسر للتقارب بين الأمم، ومدرسة تخرّج أجيالا تؤمن بأنّ الفوز والخسارة وجهان للحياة، وأن الأخلاق تبقى أكبر من النتيجة. كما أنّ مسؤولية المجتمع المدني، والمؤسسات الثقافية، والجمعيات المغربية في هولندا، لا تقل أهمية عن مسؤولية الأفراد. فهذه الهيئات مطالبة بترسيخ ثقافة المواطنة، وتوجيه الشباب إلى أن الاحتفال لا يكون بإزعاج الآخرين أو باستفزازهم، وإنما بإظهار الصورة الحضارية للمغاربة، تلك الصورة التي بناها الآباء والأمهات بسنوات طويلة من العمل الجاد، والاندماج الإيجابي، واحترام القانون.
إن أخطر ما قد تخلفه مثل هذه السلوكيات أنها تمنح دعاة العنصرية والكراهية الذريعة للنيل من الجاليات الأجنبية، وتغذي خطابا متطرفاً يدفع ثمنه الأبرياء قبل غيرهم. لذلك فإن الحكمة تقتضي أن نغلق كل المنافذ التي يتسلل منها خطاب الكراهية، وأن نكون سفراء حقيقيين لوطننا بأخلاقنا قبل هتافاتنا. وسيظل المنتخب الهولندي مدرسة كروية خالدة، أنجبت عمالقة نقشوا أسماءهم بأحرف من ذهب في تاريخ اللعبة، وفي مقدمتهم يوهان كرويف، الذي ألهم أجيالا من عشاق كرة القدم في العالم، وكان محل إعجاب وتقدير لدى المغاربة، شأنه شأن كوكبة من نجوم الكرة الهولندية الذين أسهموا في صناعة أمجاد هذه الرياضة. ويبقى الشعب المغربي، في وجدانه الجمعي، يحمل كل الاحترام للشعب الهولندي، ويقدر ما يجمع البلدين من علاقات إنسانية وتاريخية. فلا ينبغي أن تختزل مباراة، مهما بلغت أهميتها، سنوات طويلة من التعايش والاحترام المتبادل. إن الانتصارات تزول، والكؤوس تنتقل من منتخب إلى آخر، أما الأخلاق فتبقى، والاحترام يبقى، والإنسانية تبقى. وحين تنتصر القيم، يكون الجميع فائزاً، مهما كانت نتيجة المباراة. عاش الشعب الهولندي والصداقة المغربية الهولندية، وعاشت الرياضة جسرا للمحبة، لا وقودا للكراهية.
📲 Partager sur WhatsApp