حين يكتب الفيلسوف محمد طواع بالصمت

قراءة أولى في كتابه «شعرية هايدغر.. مقاربة أنطولوجية لمفهوم الشعر»

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليست كل اللقاءات تحدث في المقاهي أو قاعات الندوات. بعض اللقاءات تقع في مكان لا يراه أحد؛ بين جملة يكتبها صحفي، وعين تقرؤها بعناية في الضفة الأخرى. هناك، حيث لا تصفق الجماهير ولا تلتقط الكاميرات الصور، يولد التعارف الحقيقي. هكذا التقيت بالدكتور محمد طواع. لم يأتني باعتباره اسما جامعيا، ولا صاحب دكتوراه في علوم التربية، ولا كاتبا يراكم المؤلفات الفلسفية، بل جاءني قارئا. لكن القراءة التي كانت تبدو عابرة سرعان ما كشفت لي أنها ليست قراءة، بل إقامة داخل النص، وحوار مع الكلمة، وإنصات لذلك الصوت الخافت الذي يختبئ وراء اللغة. لم أكتشف قارئا لمقالاتي وأشعاري، بل اكتشفت عقلا يشبه الآبار القديمة؛ كلما ألقيت فيه سؤالا، عاد إليك بماء أعمق مما توقعت. وفي زمن صار المفكر فيه ضيفا نادرا على الشاشات، بينما يحتل الضجيج المنابر، بدا لي محمد طواع واحدا من أولئك الرجال الذين يفضلون أن تنمو أفكارهم في صمت، كما تنمو الأشجار العتيقة بعيدا عن ضوضاء المدن. كان لقاؤنا في فضاء الكتابة بجريدة الكوليماتور، حيث تشاركنا الورقة، لا بمعنى المهنة، بل بمعنى الإيمان بأن الكلمة ليست خبرا فقط، وإنما مصير.

حين وصلتني كتبه هدية منه، لم أبدأ بكتاب التقنية، ولا بالقوة، ولا بحق الكائن في الإقامة، ولا حتى بقراءته العميقة لهايدغر والميتافيزيقا. كان الشعر هو الذي اختارني أولا. وكأن الكتب تعرف ترتيب الدخول إلى الروح. فكان «شعرية هايدغر.. مقاربة أنطولوجية لمفهوم الشعر»، الذي قدّمه الكاتب عبد الكريم أغريب، هو الباب الأول. وهذا ليس كتابا عن الشعر. بل هو كتاب يسأل السؤال الذي يسبق الشعر نفسه. كيف يصبح الإنسان أهلا لأن يقول العالم؟

منذ الصفحات الأولى، يشعر القارئ أنه لا يدخل مكتبة، وإنما يدخل غابة هايدغر الشهيرة، تلك التي تضيع فيها الطرق حتى يعثر الإنسان على نفسه. محمد طواع لا يشرح هايدغر كما يفعل الأكاديميون الذين يحولون الفلسفة إلى خرائط ذهنية باردة. إنه يعيد إشعال النار داخل النص. يعيد الكلمة إلى أصلها الأول، حين كانت اللغة بيتا، لا أداة. ولهذا يستوقفني ذلك المقطع الذي يكتبه: «لكي يكون الإنسان هو نفسه، متجها صوب إنسانيته، عليه أن يقيم انفتاحه على الاستماع.» كم تبدو هذه العبارة بسيطة. لكنها تحمل في داخلها ثورة كاملة. لقد اعتدنا أن نربط المعرفة بالكلام، بينما يعيدنا طواع إلى فضيلة الاستماع. فالوجود، في نظره، لا يتجلى لمن يصرخ، بل لمن يصغي. ولعل هذه هي الفكرة التي تجعل الشعر، عند هايدغر كما يقرأه طواع شكلا من أشكال الإنقاذ.

الشعر هنا لا يكتب القصائد. إنه يبني البيوت. وليس البيوت من إسمنت، بل البيوت التي يسكنها المعنى. ولهذا يكتب المؤلف عن اللغة بوصفها الحافظة لحكايات الشعوب، ولذاكرة العمران، وللرموز والخطوط والكتابة والفنون والتقنيات والألوان والوشم والرقص والمعارف والعلوم…كأن اللغة ليست قاموسا، بل مجرة. ليست حروفا، بل كائن حي يتنفس. كل كلمة عند محمد طواع تشبه حجرا في معبد قديم؛ لا يبدو عظيما منفردا، لكنه حين يوضع في مكانه الصحيح، يحمل سقف الحضارة كلها. ولعل أكثر ما يدهشني في هذا الكتاب، أنه لا يقرأ الشعر بوصفه جنسا أدبيا، بل بوصفه طريقة في السكن. وهنا تبلغ قراءة هايدغر ذروتها. فالإنسان لا يقيم فوق الأرض لأنه يملك منزلا. بل لأنه يستطيع أن يمنح الأشياء أسماءها. إن الشاعر، في هذا الأفق، ليس صانع استعارات، بل راعي الوجود. إنه آخر من يحرس النار حين ينام العالم. وأنا أقرأ محمد طواع، تذكرت دوستويفسكي. ليس لأنهما يكتبان بالطريقة نفسها. بل لأنهما يؤمنان أن الإنسان أكبر من تعريفاته. وتذكرت تولستوي، لأن الحقيقة عندهما ليست فكرة، بل حياة كاملة. وتذكرت ريلكه، لأن اللغة عندهما لا تشرح العالم، وإنما تمنحه فرصة جديدة للولادة. بل إنني شعرت، أحيانا، أن صفحات هذا الكتاب تتحول إلى مرايا لا نقرأ فيها هايدغر، وإنما نقرأ أنفسنا.

في زمن التقنية، يصبح كل شيء قابلا للقياس. إلا الشعر. وفي زمن الذكاء الاصطناعي، يمكن إنتاج ملايين الكلمات. لكن لا يمكن إنتاج لحظة دهشة واحدة. هذه اللحظة هي ما يبحث عنه محمد طواع. إنه يبحث عن الإنسان قبل أن تبتلعه الآلة. ولهذا لا تبدو مؤلفاته منفصلة عن بعضها. فكتابه عن الشعر، وكتابه عن التقنية، وكتابه عن القوة، وكتابه عن حق الكائن في الإقامة، وكتابه عن هايدغر والميتافيزيقا… ليست موضوعات متجاورة. إنها فصول لسؤال واحد: كيف يمكن للإنسان أن يظل إنسانا؟ المؤلم أن مفكرين من هذا الطراز يعيشون غالبا بعيدا عن الضوء. لا لأنهم أقل قيمة. بل لأن زمننا أصبح يقيس الحضور بعدد المتابعين، لا بعدد الأفكار التي تغير مصير القارئ. كم من ضيف دائم على الشاشات سينسى بعد أشهر؟ وكم من مفكر هادئ، مثل محمد طواع، سيظل حيا في مكتبات الأجيال القادمة؟ التاريخ، في النهاية، لا يتذكر أكثر الأصوات ضجيجا. إنه يتذكر أكثرها عمقا.

أحسب أن محمد طواع لا يكتب ليقنعنا. إنه يكتب ليوقظنا. وهذا فرق هائل. الإقناع ينتهي بانتهاء القراءة. أما اليقظة فتبدأ بعدها. وحين يغلق القارئ هذا الكتاب، لا يخرج وهو يعرف شيئا جديدا عن هايدغر فقط. بل يخرج وهو يسأل نفسه سؤالا وجوديا مخيفا: هل أسكن العالم حقا، أم أنني مجرد عابر فيه؟ هذه ليست آخر مرة سأكتب فيها عن الدكتور محمد طواع. بل هي أول الطريق. فالكتب التي أهداني إياها ليست مؤلفات متفرقة، وإنما مشروع فكري متكامل، يبدأ بالشعر، ويمر بالتقنية والقوة والإقامة، ولا ينتهي عند هايدغر، بل يصل إلى سؤال الإنسان نفسه. وأحسب أن الثقافة المغربية، بل الثقافة العربية، مدينة لمثل هذه الأصوات التي تعمل في صمت النحل؛ لا تبحث عن التصفيق، وإنما عن صناعة العسل. إن الاحتفاء بمحمد طواع ليس احتفاء بشخص، وإنما احتفاء بفكرة نادرة: أن الفكر لا يزال قادرا على إنقاذ الإنسان من خواء عصره. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنه، بعد قراءة هذا الكتاب، أنه لا يكتب الفلسفة من أجل الفلسفة، ولا يكتب الشعر من أجل البلاغة، وإنما يكتب لكي يترك للإنسان بابا مفتوحا نحو ذاته، في زمن تكاثرت فيه الأبواب المؤدية إلى الضياع.

📲 Partager sur WhatsApp

3 thoughts on “حين يكتب الفيلسوف محمد طواع بالصمت

  1. انفتاح عميق على كتاب الشعرية، بلغة في غاية الأناقة وحسن الضيافة. لقد ولجت غابة مفكر الشعر بامتياز. مودتي وتقديري.

    1. لقاء بالصدفة مع رجل من طينة أخرى. انه محمد طواع. عمق الكلمة ورصانة التحليل ونبل الأخلاق. انه فعلا وريث العروي والجابري.
      مقال رائع زميلتي زكيا. لقد اعطيتي للرجل حقه واستفضتي في التعريف برجل قل نظيره. شكرا لك شكرا لك.
      كل التوفيق ان شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *