… آخر ما تبقى من الجغرافيا في السودان

بقلم زكية لعروسي, باريس

لم يعد السؤال في السودان: من يربح الحرب؟ فهذا السؤال، رغم بساطته، أصبح متأخرًا عن الواقع. السؤال الحقيقي هو: ماذا يبقى من الدولة عندما تتحول الحياة اليومية إلى عملية تفاوض مستمرة مع الموت؟ وماذا يبقى من السياسة عندما يصبح أعظم إنجاز لها هو السماح لقافلة غذاء بأن تمر، أو لطفل بأن يعبر شارعًا من دون أن تسبقه قذيفة؟ ثمة مفارقة تكاد تبلغ حدود العبث. فالسودان ليس بلدا فقيرا بالمعنى الطبيعي للكلمة؛ إنه أحد أكثر بلدان إفريقيا ثراء بالأرض الخصبة، والمياه، والذهب، والثروة الحيوانية، والموقع الجغرافي الذي يربط القرن الإفريقي بعمق القارة ووادي النيل والبحر الأحمر. ومع ذلك، تحوّلت هذه النعم، كما يحدث كثيرا في التاريخ، إلى لعنة. كان مونتسكيو يرى أن السلطة إذا غابت عنها الضوابط فسدت، لكن التجربة الإفريقية أضافت درسًا آخر: الثروة نفسها قد تصبح وقودًا للصراع عندما تسبق المؤسسات.

ومن هنا لا تعود الحرب مجرد مواجهة بين بنادق، بل تصبح صراعا على تعريف المستقبل. كل طرف يدّعي أنه يحارب من أجل السودان، بينما السودان نفسه يبدو وكأنه الطرف الوحيد الذي لا يملك صوتا. المدن لا تصدر البيانات، والأطفال لا يعقدون المؤتمرات الصحفية، والأمهات اللواتي ينتظرن الماء والدواء لا يكتبن البلاغات العسكرية. إنهن يكتبن التاريخ بطريقة أخرى؛ بالصمت، وبالانتظار، وبالقدرة المذهلة على البقاء. ولذلك، فإن الدعوات إلى فتح ممرات إنسانية أو إلى هدنة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها نهاية للأزمة، بل بوصفها اعترافا بأن الأزمة بلغت مستوى لم تعد السياسة وحدها قادرة على احتوائه. كما أن الاتهامات المتبادلة بين أطراف النزاع بشأن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، مهما كانت خطورتها، تحتاج إلى تحقيقات مستقلة وشفافة حتى تتحوّل من مادة للصراع الإعلامي إلى حقائق يمكن أن تقوم عليها مساءلة قانونية وعدالة حقيقية. لقد كتب الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين أن كل وثيقة حضارة هي، في الوقت نفسه، وثيقة بربرية. وربما لم يكن يقصد السودان، لكنّه كان يتحدث عن الإنسان في كل زمان. فالحضارة لا تختبر بما تمنعه من انهيارات. وحين تصبح القوافل الإنسانية آخر خيط يصل مدينة بالعالم، ندرك أن ما انهار ليس جسرا من الإسمنت، بل الجسر الأخلاقي الذي يربط السياسة بالإنسان.

ويبقى السؤال الأكثر إيلاما: هل سيتذكر العالم السودان بعد أن تتوقف الكاميرات عن البث؟ لقد علمتنا تجارب البوسنة، ورواندا، وسوريا، واليمن، أن الاهتمام الدولي كثيرًا ما يتحرك وفق إيقاع الأخبار، لا وفق إيقاع المعاناة. تنتهي العناوين، لكن الحرب تواصل عملها في صمت؛ تُخرّب المدارس، وتفرغ القرى، وتحوّل جيلا كاملا إلى أبناء لذاكرة مثقوبة. وربما تكون المأساة السودانية، في جوهرها، درسا يتجاوز السودان نفسه. إنها تذكير قاس بأن الدولة ليست علما يرفع، ولا نشيدا يعزف، ولا بيانات تتلى أمام الكاميرات. الدولة هي ذلك الشعور البسيط الذي يجعل الإنسان ينام وهو واثق أن صباحه لن يكون رهينة لطلقة مجهولة أو طريق مقطوع أو رغيف مفقود.

أما الحرب، فهي لا تنتصر حين تحتل مدينة، بل حين تقنع الناس بأن الخراب هو الحالة الطبيعية، وأن الحياة الكريمة أصبحت امتيازا لا حقا. وعندما يصل مجتمع إلى هذه النقطة، يصبح الانتصار العسكري، أيًّا كان صاحبه، مجرد هزيمة أخرى للإنسان. لهذا، فإن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف لإطلاق النار، ولا إلى ممرات آمنة، ولا إلى بيانات متقابلة. إنه يحتاج إلى استعادة الفكرة التي ضاعت وسط الدخان: أن قيمة الأوطان لا تُقاس بعدد البنادق التي تدافع عنها، بل بعدد الأرواح التي تستطيع أن تحميها. فالتاريخ لا يخلّد الجيوش لأنها قاتلت، وإنما يخلّد الأمم لأنها عرفت، في اللحظة الحاسمة، كيف تنتصر للإنسان قبل أن تنتصر لنفسها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *