بقلم زكية لعروسي, باريس
في المخيلة العامة، تبدو الجرائم الكبرى دائما صاخبة. نتخيل اللصوص يحملون السلاح، أو عصابات تتحرك في الظلام، أو مطاردات تنتهي بأصفاد تلتف حول المعاصم. لكن أخطر الجرائم في القرن الحادي والعشرين لا تحتاج إلى أقنعة ولا إلى رصاص. إنها ترتدي بدلات أنيقة، وتعقد اجتماعاتها في مكاتب زجاجية، وتوقع عقوداً قانونية، ثم تختفي مليارات اليوروهات من خزائن الدول من دون أن يسمع أحد صوت الانفجار. التحقيق الذي يقوده الادعاء الأوروبي، والذي شمل مداهمات في منطقة إيل دو فرانس على خلفية شبهات تتعلق بعملية احتيال واسعة في ضريبة القيمة المضافة، لا يمثل مجرد قضية مالية جديدة. إنه نافذة تطل على اقتصاد مواز يعيش داخل الاقتصاد الرسمي، حيث تتحول القوانين التي وضعت لتنظيم الأسواق إلى أدوات يمكن استغلالها لامتصاص المال العام عبر شبكات من الشركات العابرة والعلاقات المالية المعقدة.
وبحسب الادعاء الأوروبي، يتركز التحقيق على شبهات احتيال من نوع «الكاروسيل» في ضريبة القيمة المضافة، وهي آلية تقوم على إنشاء سلسلة من الشركات وإجراء معاملات تجارية صورية أو متشابكة بهدف المطالبة باسترداد ضرائب لم تدفع أصلا ويشير التحقيق إلى خسائر تقدَّر بنحو ثلاثة عشر مليون يورو، مع استمرار الإجراءات وجمع الأدلة، من دون صدور أحكام قضائية نهائية حتى الآن. تكمن خطورة هذا النوع من الاحتيال في أنه لا يقوم على كسر القانون بشكل مباشر، بل على استغلال تعقيداته. فبدلا من اقتحام خزائن الدولة، يجري تحويل النظام الضريبي نفسه إلى أداة لإنتاج أرباح غير مشروعة. إنها جريمة لا ترتكب خارج المؤسسات، بل داخلها، مستخدمة اللغة القانونية ذاتها التي يفترض أن تحمي المال العام.
لقد وصف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الدولة بأنها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة، لكن الاقتصادات الحديثة كشفت أن القوة لا تُمارس فقط بالسلاح، بل أيضاً بالقدرة على التحكم في حركة الأموال. فحين تستطيع شبكة مالية أن تحرم الخزينة العامة من ملايين اليوروهات عبر معاملات تبدو في ظاهرها قانونية، فإنها تمارس شكلا آخر من أشكال السلطة؛ سلطة غير مرئية، لكنها قادرة على تقويض الثقة في النظام الاقتصادي. وليس من قبيل المصادفة أن يكون الاحتيال في ضريبة القيمة المضافة من أكثر الجرائم التي تؤرق الاتحاد الأوروبي. فالسوق الأوروبية الموحدة، التي صمّمت لتسهيل حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال، خلقت في الوقت نفسه ثغرات استغلها محترفو الجرائم الاقتصادية. لقد أصبح الانفتاح الاقتصادي، وهو أحد أعمدة المشروع الأوروبي، فرصة للنمو والازدهار، لكنه أوجد أيضا فضاءات جديدة تتطلب تعاونا قضائيا عابرا للحدود لملاحقة الشبكات المنظمة.

ومن هنا تتجاوز أهمية القضية حدود الأرقام. فكل يورو يُفقد نتيجة احتيال ضريبي ليس مجرد خسارة محاسبية، بل هو مال كان يمكن أن يوجّه إلى مستشفى، أو مدرسة، أو مشروع بنية تحتية، أو دعم للبحث العلمي. إن الجريمة الاقتصادية ليست أقل أثرا من الجرائم التقليدية؛ فهي تضعف قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، وإن كان ذلك يحدث بصمت ومن دون مشاهد درامية. وتبرز هذه القضية كذلك الدور المتنامي للادعاء الأوروبي في ملاحقة الجرائم المالية التي تتجاوز الحدود الوطنية. فالشبكات الاقتصادية الحديثة لم تعد تعترف بالجغرافيا، وهو ما يفرض على أجهزة العدالة أن تطور أدواتها وآليات تعاونها بالوتيرة نفسها. فالمعركة لم تعد بين شرطة ولص، بل بين أنظمة رقابية معقدة وشبكات تمتلك معرفة دقيقة بالقوانين والثغرات والإجراءات.
ورغم أهمية التحقيقات الجارية، يبقى المبدأ القانوني أساسيا: فالأشخاص المعنيون يتمتعون بقرينة البراءة إلى أن تثبت إدانتهم أمام القضاء. وهذه القاعدة ليست تفصيلا إجرائيا، بل حجر الزاوية في دولة القانون، لأنها تضمن أن العدالة لا تبنى على الشبهات وحدها، مهما بلغت خطورتها. إن هذه القضية تطرح سؤالا يتجاوز فرنسا والاتحاد الأوروبي: كيف يمكن للدول أن تحمي المال العام في اقتصاد أصبح رقميا وعابرا للحدود، بينما تتحرك الأموال بسرعة تفوق أحيانا سرعة القوانين نفسها؟ لعل الإجابة لا تكمن فقط في تشديد العقوبات، بل في بناء أنظمة أكثر شفافية، وتعزيز التعاون الدولي، وتطوير أدوات الرقابة المالية بما يواكب تطور أساليب الاحتيال. فالجرائم الاقتصادية لم تعد هامشاً في عالم المال، بل أصبحت إحدى ساحات الصراع الرئيسية على الثقة في الدولة الحديثة. وإذا كانت المجتمعات تقاس أيضا بقدرتها على حمايتها من أولئك الذين يحاولون نهبها من داخل النظام نفسه، لا من خارجه.
📲 Partager sur WhatsApp