باكستان في معادلة الأمن الإقليمي؟

بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس

في خضم إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط، تتجه الأنظار إلى الحضور العسكري الباكستاني في المملكة العربية السعودية، والذي ينظر إليه باعتباره جزءا من معادلة ردع إقليمية أكثر منه تمهيدا لانخراط مباشر في المواجهة مع المحور الإيراني. فبعيدا عن الخطاب الإعلامي الذي يربط أي انتشار عسكري باحتمال اندلاع حرب وشيكة، تشير المعطيات المتداولة إلى أن إسلام آباد اختارت تموضعا محسوبا يجمع بين الالتزام بأمن حليفها السعودي والحفاظ على قنوات التواصل مع طهران.

إن نشر قوات باكستانية ومنظومات دفاع جوي وطائرات مقاتلة داخل الأراضي السعودية، إذا كانت هذه المعطيات دقيقة، يعكس تحولاً في مفهوم الأمن الخليجي من الاعتماد الحصري على المظلة الأمريكية إلى بناء شبكة ردع متعددة الأطراف، تتقاسم فيها الدول الإسلامية الحليفة أعباء حماية البنية التحتية الاستراتيجية، وفي مقدمتها المنشآت النفطية التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي. فالدرس الذي خلفته الهجمات على منشآت الطاقة خلال السنوات الماضية دفع الرياض إلى الاستثمار في طبقات دفاعية أكثر تعقيدا، قادرة على مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة الارتفاع التي أصبحت السلاح المفضل للجماعات المسلحة المرتبطة بإيران.

لكن القراءة الأعمق تكشف أن باكستان تسعى إلى تحقيق توازن بالغ الدقة. فهي ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع المملكة العربية السعودية، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية، وفي الوقت نفسه تتشارك مع إيران حدودا طويلة ومصالح أمنية تجعل أي انخراط مباشر ضدها مقامرة قد تفتح جبهة جديدة على حدودها الغربية. لذلك يبدو أن إسلام آباد تفضّل تثبيت معادلة واضحة: الدفاع عن الأراضي السعودية لا يعني المشاركة في عمليات هجومية ضد إيران أو حلفائها. هذا التموضع يمنح باكستان هامشا دبلوماسيا نادرا في منطقة تعيش استقطابا حادا. فكلما بقيت قواتها في إطار الدفاع الجوي والتدريب والاستشارة، ازدادت قدرتها على لعب دور الوسيط المقبول بين الأطراف المتصارعة، وهو دور يكتسب أهمية متزايدة في ظل تعثر مسارات التفاوض بين واشنطن وطهران واستمرار الأزمات الممتدة من العراق إلى البحر الأحمر.

في المقابل، فإن العمليات العسكرية التي تستهدف الفصائل المسلحة الموالية لإيران، حيثما وقعت، تعكس استراتيجية مختلفة تقودها أطراف ترى أنّ الردع لا يكتمل بالدفاع، بل يتطلب أيضا استهداف القدرات العسكرية واللوجستية للوكلاء الإقليميين. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين منطق الدفاع الذي تتبناه باكستان، ومنطق الضغط العسكري الذي تتبناه قوى أخرى في المنطقة، وهو فارق يعكس تباينا في الحسابات الاستراتيجية أكثر مما يعكس اختلافا في التحالفات. وتدرك المؤسسة العسكرية الباكستانية أن أي انتقال من الدفاع إلى الهجوم سيغيّر موقعها بالكامل داخل معادلات الشرق الأوسط. فبدلا من أن تكون شريكا أمنيا موثوقا ووسيطا محتملا، ستصبح طرفا مباشرا في صراع إقليمي معقد يحمل تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية يصعب احتواؤها، سواء على حدودها مع إيران أو داخل بيئتها الداخلية الحساسة.

في المحصلة، يبدو أن الانتشار العسكري الباكستاني في السعودية، وفق المعلومات المتداولة، ليس مقدمة لحرب، بل رسالة ردع استراتيجية. إنه يهدف إلى طمأنة الحليف السعودي بأن أمن منشآته الحيوية ليس مسؤولية الرياض وحدها، وفي الوقت نفسه يبعث بإشارة إلى طهران بأن باكستان لا تسعى إلى الانضمام إلى أي محور هجومي ضدها. إنها سياسة تقوم على مبدأ «الردع دون الاستفزاز»، وهو خيار يعكس إدراكا بأن الحروب الحديثة لا تحسم فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضا بالقدرة على إدارة التوازنات ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بأكملها. ويبقى تقييم هذه المعادلة مرتبطا بتطورات الميدان وبما تؤكده المصادر الرسمية، إذ إن طبيعة المهام وحجم الانتشار والأدوار العملياتية قد تتغير مع تغير البيئة الأمنية والإقليمية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *