الانتقام والكراهية كحلقة تصعيد دائمة

بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس

ليست الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خلاف حول البرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل هي صراع بنيوي تراكمت فيه الجراح التاريخية، والتنافس الجيوسياسي، والصدام الإيديولوجي، حتى أصبح كل طرف يرى في الآخر تهديداً وجودياً أكثر منه خصما يمكن التوصل معه إلى تسوية. ولهذا السبب، فإن كل جولة تفاوض تبدأ بالأمل، لكنها غالبا ما تنتهي إلى طريق مسدود، لأن منطق القوة يسبق دائما منطق التسوية.ة المعضلة الأساسية تكمن في أن واشنطن وطهران تتفاوضان وفق قاعدة واحدة: لا تفاوض إلا من موقع القوة. فالولايات المتحدة تعتقد أن العقوبات الاقتصادية، والعزلة الدبلوماسية، والضغط العسكري هي الوسائل الوحيدة لدفع إيران إلى تقديم تنازلات. وفي المقابل، ترى إيران أنّ أيّ تنازل تحت الضغط يعني استسلاماً، وأن الصمود هو السبيل الوحيد لانتزاع الاعتراف بمكانتها الإقليمية. وهكذا تتحول المفاوضات إلى ساحة لإثبات القوة، لا إلى منصة لصناعة الحلول.

غير أن السياسة ليست وحدها من يعطل التسويات. فهناك بعد ثقافي وإيديولوجي أكثر تعقيدا. ففي الخطاب السياسي الأمريكي، ينظر إلى إيران باعتبارها دولة تتحدى النظام الدولي وتقوض الاستقرار الإقليمي، بينما تقدم القيادة الإيرانية نفسها باعتبارها رأس حربة “محور المقاومة” في مواجهة الهيمنة الأمريكية. وفي مثل هذا السياق، يصبح التراجع أمام الخصم مرادفاً للضعف، بل وللخيانة في نظر المتشددين داخل كل معسكر. لذلك يضيق هامش المناورة أمام صناع القرار، لأن أي خطوة نحو التسوية تُواجه باتهامات داخلية بالتفريط. وتدخل الكراهية والانتقام بعد ذلك كوقود دائم للصراع. فكل عملية اغتيال، أو ضربة عسكرية، أو هجوم تنسبه إحدى العاصمتين إلى الأخرى، يخلق ضغطاً سياسياً وشعبياً يدفع نحو الرد. ومع كل رد جديد، تتوسع دائرة التصعيد، وتزداد قناعة الطرفين بأن الخصم لا يفهم سوى لغة القوة. وهكذا لا يعود الهدف هو حل الأزمة، بل الرد على الضربة السابقة والاستعداد للضربة التالية.

أمّا العقدة الأكثر تعقيداً فتتعلق بطبيعة المشروعين الاستراتيجيين. فالولايات المتحدة تسعى إلى منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، والحد من نفوذها الإقليمي وشبكة حلفائها. في المقابل، ترى طهران أن نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، إلى جانب برنامجها الصاروخي، يشكلان الضمانة الأساسية لأمنها القومي في بيئة تعتبرها معادية. ومن هنا يصبح الصدام بين مشروعين لا يختلفان حول التفاصيل، بل حول شكل النظام الإقليمي نفسه، وهو ما يجعل مساحة التوافق شديدة الضيق. ولا تقتصر الأزمة على هذين الطرفين فقط، بل تتغذى أيضا من عوامل أخرى لا تقل تأثيرا. فغياب وسيط قادر على بناء الثقة، وتصاعد نفوذ التيارات المتشددة في الجانبين، واستمرار اقتصاد العقوبات والتسلح، كلها عناصر تخلق مصالح سياسية وأمنية تجعل استمرار الأزمة أقل كلفة بالنسبة لبعض الفاعلين من الوصول إلى تسوية شاملة.

وهنا تظهر المفارقة التي تفسر استمرار هذا الصراع لعقود: هناك ألم كافٍ يدفع الطرفين إلى الجلوس على طاولة التفاوض، لكنه ليس ألماً كافيا لإجبارهما على تقديم التنازلات أو إشعال حرب شاملة. فالولايات المتحدة تدرك أنّ الحرب المباشرة مع إيران ستكون باهظة الكلفة إقليميا ودوليا، وإيران تعلم أن مواجهة عسكرية مفتوحة مع واشنطن قد تهدد استقرار النظام نفسه. لذلك يبقى الطرفان عالقين في منطقة رمادية بين الحرب والسلام؛ تصعيد محسوب، وردود متبادلة، ورسائل ردع، ومفاوضات متقطعة لا تفضي إلى اختراق حقيقي. إن أخطر ما في هذه المعادلة أنّها أصبحت دائرة مغلقة تُغذي نفسها بنفسها. فالتصعيد يؤدي إلى انعدام الثقة، وانعدام الثقة يعطل التفاوض، وفشل التفاوض يولد تصعيدا جديدا، ليبدأ المسار من جديد. ومع مرور الوقت، تتحول الأزمة إلى حالة دائمة، لا لأن الحلول غير موجودة، بل لأن البيئة السياسية والإيديولوجية والاستراتيجية تجعل كلفة السلام، في نظر بعض دوائر القرار، أعلى من كلفة إدارة الصراع.

وفي النهاية، لا تبدو المشكلة الحقيقية في غياب قنوات الحوار، بل في غياب الإرادة السياسية لكسر هذه الحلقة. وما لم يتغير أحد العوامل البنيوية التي تغذيها، سواء عبر تحول في ميزان القوى، أو ظهور وسيط دولي قادر على بناء الثقة، أو تغير في حسابات القيادتين، فإن العلاقة بين واشنطن وطهران ستظل محكومة بالمعادلة نفسها: تصعيد… ثم انسداد… ثم تصعيد جديد. إنها ليست أزمة عابرة، بل نموذج كلاسيكي لصراع يستمد استمراره من آلياته الداخلية أكثر مما يستمده من أحداثه اليومية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *