الزنبور فوق موائدنا في آخر الصيف

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في منتصف الصيف، يستطيع الإنسان أن يأكل خوخته بسلام، وأن يفتح مربى التين، وأن يترك كأسا من العصير على المائدة من دون أن يشعر بأنه دخل فجأة في مفاوضات مع قوة غامضة ذات أجنحة. ثم يأتي آخر الصيف، فتظهر الزنابير كأنها خرجت من شق في جدار الزمن. واحدة تحوم حول الكأس، وأخرى تهبط على قطعة فاكهة، وثالثة تقترب من المربى بثقة موظف يعرف أن له مستحقات متأخرة. وفجأة يصبح الغداء في الهواء الطلق اجتماعا أمنيا مصغرا، ويتحول الإنسان، صاحب الحضارة والتكنولوجيا والمطارات والأقمار الصناعية، إلى شخص يلوح بمنديل أمام حشرة لا يتجاوز حجمها بضعة سنتيمترات. لكن الزنبور لم يصبح فجأة أكثر شراسة، ولم تستيقظ فيه في أغسطس رغبة شخصية في إفساد نزهات البشر. ما يحدث أكثر إثارة من ذلك بكثير. نحن لا نشهد انفجارا في عدوانية حشرة، بل نشهد لحظة متقدمة من دورة اجتماعية معقدة، تبلغ فيها المستعمرة ذروة عددها ونشاطها، وتتغير فيها احتياجاتها الغذائية، بينما يصل الصيف نفسه إلى مرحلته الأكثر سخاء بالسكريات. إنها مصادفة بيولوجية دقيقة، تلتقي فيها ساعة المستعمرة بساعة الثمار وساعتنا نحن.

الزنبور الذي نراه حول كوبنا ليس في الحقيقة كائنا منفردا بالمعنى الذي نتخيله. إنه جزء من مدينة صغيرة طائرة، لها ملكة، ويرقات، وعاملات، وتقسيم للوظائف، وتدفق مستمر للغذاء والطاقة. طوال أسابيع الصيف تعمل العاملات على توسيع المستعمرة وإطعام اليرقات وجمع الموارد. ومع اقتراب نهاية الموسم، تبلغ المستعمرة عند أنواع اجتماعية مثل Vespula كثافة مرتفعة، وتدخل مرحلة جديدة من دورتها، تبدأ فيها بإنتاج الذكور والملكات المستقبلية. وهنا يحدث التحول الذي نراه نحن على موائدنا: المجتمع الذي كان منشغلا بالنمو يصبح منشغلا بالتكاثر، والمستعمرة التي كانت تبني نفسها تبدأ في إعداد الجيل الذي سيحملها إلى الموسم المقبل. وهذا يعني ببساطة أن عدد الباحثات عن الطعام في الخارج يصبح كبيرا. كل واحدة منها جزء من اقتصاد حي شديد الكفاءة، لا يحتاج إلى مدير ولا إلى جدول أعمال ولا إلى نشرة تعليمات. تتحرك وفقا لإشارات كيميائية وبيئية دقيقة، وتبحث عن الموارد التي تحتاج إليها المستعمرة. وإذا كانت اليرقات تحتاج إلى البروتين، فإن العاملات تصطاد الحشرات وغيرها من المفصليات الصغيرة وتعود بها إلى العش. أما البالغات فتحتاج بدرجة كبيرة إلى السكريات التي تمنحها الطاقة اللازمة للحركة والعمل.

وهنا تدخل الفاكهة الناضجة إلى القصة. في نهاية الصيف يصبح العالم أكثر حلاوة. العنب يثقل على الكروم، والتين يتشقق، والخوخ يلين، والتفاح يسقط، والعصائر تنتشر، والمربى يظهر على الموائد، والمشروبات السكرية تظل مفتوحة في الحدائق والشرفات. الطبيعة نفسها تبدو كأنها فتحت خزائن الطاقة التي ظلت تخبئها طوال الموسم. والزنبور، الذي لا يقرأ قائمة الطعام ولا يعرف معنى كلمة حلوى، يلتقط هذه الوفرة عبر جهاز حسي شديد الكفاءة. بالنسبة إلى الإنسان، كوب العصير مشروب. وبالنسبة إلى الزنبور، هو إشارة كيميائية تقول: هنا طاقة. وهذه واحدة من أكثر الحقائق إثارة في علم الأحياء: الكائن لا يحتاج إلى أن يفهم العالم كما نفهمه نحن لكي يعرف كيف يستخرج منه ما يحتاج إليه. الزنبور لا يعرف أنك جلست إلى المائدة للاسترخاء، ولا يعرف أن المشروب الذي أمامك اشتريته بثمن، ولا يعرف أنك كنت تخطط لالتقاط صورة جميلة للغروب. هو يقرأ طبقة أخرى من الواقع، طبقة الرائحة والسكريات والمواد الكيميائية. ولهذا يبدو لنا أحيانا كأنه يطاردنا شخصيا. لكنه في الحقيقة لا يطارد شخصا بقدر ما يطارد موردا. إن الفرق بين الأمرين هائل. الإنسان يميل إلى إضفاء النوايا على الحيوان، فيرى في حركته غضبا واستفزازا وعناده وربما شيئا من الحقد. أما علم الأحياء فيسأل أسئلة أبرد وأكثر دقة: ما المورد؟ ما الحاجة؟ ما المرحلة من دورة الحياة؟ ما الإشارة التي استجاب لها الحيوان؟ وما الفائدة التي يحققها هذا السلوك للمستعمرة؟

عندما نطرح الأسئلة بهذه الطريقة، يتحول الزنبور من خصم صغير إلى درس كامل في الاقتصاد البيئي. إنه لا يعمل لنفسه وحده. العاملات تجمع الغذاء، واليرقات تحصل على الموارد، والملكة تضمن استمرار السلالة، والمستعمرة كلها تتحرك كأنها عقل موزع على مئات الأجساد. لا يوجد عقل مركزي يراقب كل شيء، ومع ذلك تنشأ من هذه الأجساد الصغيرة بنية اجتماعية شديدة التنظيم. وهذا ما يجعل الحشرات الاجتماعية من أكثر الظواهر إثارة في الطبيعة: كيف يمكن لمئات الكائنات الصغيرة أن تنتج سلوكا جماعيا يبدو أحيانا أكثر تعقيدا من سلوك كائن واحد يمتلك دماغا أكبر منها بملايين المرات؟ لقد كان القدماء مفتونين بهذا النوع من الأسئلة. في الأدب والفكر اليوناني القديم، تحولت الحيوانات والحشرات إلى مرايا يتأمل فيها الإنسان نفسه: العمل، الجماعة، الصراع، النظام، الفوضى، الطمع، التعاون، والاندفاع الجمعي. ولم تكن الكائنات الصغيرة هامشية في المخيال القديم، لأن صغرها كان في حد ذاته حجة فلسفية: إذا كان العالم الكبير قادرا على أن يختبئ في مخلوق صغير، فما الذي نعرفه حقا عن معنى القوة؟ وفي التراث العربي، كان العالم الحيواني بدوره كتابا مفتوحا للتأمل والمقارنة، وتراكمت حول الحيوانات والطيور والحشرات ملاحظات وأمثال وحكايات تكشف رغبة قديمة في قراءة الإنسان من خلال الكائنات الأخرى. ومن الطريف أن نستحضر هنا أنّ الزنبور يذكرنا بشيء: أنّ الفرد الصغير لا يمكن فهمه دائما خارج الجماعة التي ينتمي إليها.

الزنبور الذي يبدو لنا, قارئي العزيز, عدوانيا في بعض الظروف لا يحتاج إلى أن يكون غاضبا. الطبيعة لا تحتاج إلى المشاعر البشرية لكي تنتج سلوكا دفاعيا. يكفي وجود نظام عصبي يستجيب لإشارة معينة عند تجاوز عتبة معينة. ما نسميه نحن غضبا قد يكون، في اللغة البيولوجية، مجرد استجابة دقيقة للغاية. والأكثر غرابة أن نهاية الصيف التي نراها نحن بداية موسم الزنابير هي في الوقت نفسه بداية النهاية بالنسبة إلى المستعمرة القديمة. إنها تصل إلى ذروة عددها ونشاطها، وتنتج الذكور والملكات المستقبلية، ثم تبدأ البنية الاجتماعية التي عرفناها طوال الصيف في التفكك مع انتهاء دورتها السنوية. هنا تصبح دورة الزنبور أشبه بمأساة صغيرة من تلك المآسي التي أحبها الأدب الروسي: مملكة تعمل بلا توقف، تبني، تجمع، تطعم، توسع حدودها، ثم تصل إلى اللحظة التي يبدو فيها كل شيء في أقصى قوته، فإذا بالزمن نفسه يعلن أن النهاية بدأت. لا تحتاج الطبيعة إلى شاعر لكي تعرف هذه المفارقة. إنها تضع الذروة أمام الانحدار مباشرة. في شهر غشت يبدو العش قويا، لكنه يعيش مرحلته الأخيرة. وهذا قانون أوسع من عالم الحشرات. كثيرا ما تبدو الأنظمة في أوج قوتها لحظة تكون قد دخلت فيها بالفعل إلى مرحلة التحول. الامبراطوريات، المدن، الأسواق، المجتمعات، وحتى الكائنات الحية، لا تحمل دائما علامات النهاية عندما تكون في القاع. أحيانا تبدأ النهاية وهي واقفة على القمة.

ومن هنا تصبح الزنابير أكثر من مجرد حشرة مزعجة في نهاية الصيف. إنها نافذة صغيرة على فكرة كبيرة: الطبيعة ليست خلفية لحياتنا. نحن نتصرف كثيرا كما لو أن الحديقة ملك لنا، وأن الشجرة مجرد ديكور، وأن الفاكهة موجودة على الأغصان كي نلتقطها، وأن الطاولة هي مركز العالم. لكن الطبيعة لا ترى الأشياء بهذه الطريقة. كل رائحة تحمل معلومة، وكل ثمرة ناضجة تمثل موردا، وكل عش يمثل بنية اجتماعية، وكل حركة لكائن حي هي استجابة لشبكة من الظروف التي قد لا ندرك منها شيئا. نحن نرى طاولة. الزنبور يرى تقاطعا للطاقة. نحن نرى حديقة. هو يرى خريطة من الروائح. نحن نرى نهاية أغسطس. هو يعيش مرحلة بيولوجية محددة في دورة تمتد منذ الربيع. ولعل الطرافة الكبرى في الأمر أن الإنسان، بكل ثقته الحضارية، يعتقد أنه صاحب المائدة. يضع الأطباق والكؤوس، يشعل المصباح، يفتح المشروبات، ثم يظهر زنبور واحد، فينهار النظام الاجتماعي كله. فجأة ترتفع الأيدي في الهواء، وتتحرك الكراسي، وتغلق الأكواب، ويتحول أكثر الكائنات ذكاء على الطاولة إلى أكثرها ارتباكا. يكفي مخلوق يزن جزءا ضئيلا من وزن الإنسان كي يعيد توزيع السلطة على المائدة. وهذه صورة ساخرة، لكنها عميقة. فنحن نبالغ في تقدير سيطرتنا على الطبيعة لأننا نقيس القوة بالحجم والتكنولوجيا. لكن الطبيعة لا تعمل بهذا المقياس. لا يحتاج الفيروس إلى جيش، ولا تحتاج النحلة إلى مدينة، ولا يحتاج الزنبور إلى أسنان ضخمة كي يغير سلوك الإنسان. أحيانا يكفي امتلاك المعلومة المناسبة والحاسة المناسبة والتوقيت المناسب. وهذا هو جوهر الانتقاء الطبيعي في أحد أكثر تجلياته إثارة: الكفاءة لا تعني القوة المطلقة، بل القدرة على الحصول على ما تحتاج إليه بأقل تكلفة ممكنة.

لذلك لا ينبغي أن نتعامل مع زيادة الزنابير في نهاية الصيف باعتبارها لغزا غامضا أو علامة على أن الحشرات قررت فجأة إعلان الحرب على البشر. إنها نتيجة منطقية لتقاطع عدة ساعات بيولوجية في اللحظة نفسها: ساعة المستعمرة التي وصلت إلى كثافة عالية، وساعة التكاثر التي بدأت تتحول، وساعة النباتات التي دفعت الثمار إلى النضج، وساعتنا البشرية التي تدفعنا إلى الجلوس في الهواء الطلق أمام الموائد الممتلئة بالفاكهة والمشروبات. أربع ساعات تلتقي. ونحن نسمي ذلك غزوا. أما الزنبور، فربما يسميه يوما موفقا. وقد يكون أجمل ما يفعله هذا الكائن الصغير أنه يعيد إلينا شيئا فقدناه وسط ضجيج الحضارة: الإحساس بأننا لسنا وحدنا في العالم، وأن الطبيعة ليست مسرحا صامتا أقيم من أجل الإنسان. فالزنبور لا يأتي إلى مائدتنا لأنه قرر أن يفسد علينا الصيف. إنه يأتي لأن الصيف نفسه بلغ لحظة معينة، ولأن المستعمرة بلغت مرحلة معينة، ولأن الفاكهة بلغت درجة معينة من النضج، ولأن رائحة السكر عبرت الهواء حتى وصلت إلى جهاز حسي لا يرى العالم كما نراه نحن. هو لا يعرف شيئا عن أغسطس، ولا عن العطلة، ولا عن الأدب، ولا عن فلسفة الطبيعة. ومع ذلك، يحمل في حركته القصيرة فلسفة كاملة. نحن نسأل: لماذا يطاردني هذا الزنبور؟ أما الطبيعة فتجيب، بهدوء قديم يشبه حكمة لا نعرف من قالها: إنه لا يطاردك. إنه يبحث، مثلك تماما، عن شيء حلو قبل أن يتغير العالم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *