أوكرانيا: صندوق الاقتراع أخطر من الدبابة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

إن أخطر اللحظات في الحروب تلك التي يبدأ فيها السياسيون، وسط هدير المدافع، في السؤال عما سيأتي بعدها. هناك، في المنطقة المعتمة الواقعة بين ضرورة الحرب وضرورة الشرعية، يولد الصراع الأصعب: من يملك حق تعريف المستقبل حين يكون الحاضر ما زال مسلحا؟ من هذه الزاوية ينبغي قراءة عودة ميخايلو فيدوروف إلى واجهة المشهد السياسي الأوكراني. فالرجل لا يظهر بوصفه وزيرا سابقا يريد استعادة حقيبة فقدها، ولا بوصفه سياسيا غاضبا من قرار إبعاده، بل باعتباره عرضا لمرض أعمق داخل الدولة التي تخوض حربا وجودية: كيف يمكن لجمهورية أن تحافظ على تعدد مراكز الشرعية وهي تقاتل عدوا يريد تحويلها إلى دولة بلا سيادة؟

المفارقة أن الحرب التي منحت فولوديمير زيلينسكي شرعية تاريخية استثنائية قد بدأت، مع امتدادها، تفرض عليه السؤال الذي لا يستطيع أي رئيس الهروب منه إلى الأبد: كيف تنتقل شرعية الحرب إلى شرعية السلم؟ لقد كان من السهل، في الأيام الأولى للغزو، أن تتجمع الدولة حول قائد واحد. ففي لحظة الخطر الوجودي تصبح السياسة أشبه بقلعة تحيط بها النيران؛ لا أحد يسأل كثيرا عن هندسة الغرف الداخلية ما دام السقف لم يسقط. لكن الحرب الطويلة تغير طبيعة السؤال. فالقلعة التي تصمد لسنوات تحتاج في النهاية إلى أن تفتح نوافذها، وإلا تحولت الحماية نفسها إلى شكل آخر من الاختناق. وهنا تكمن أهمية دعوة فيدوروف إلى انتخابات جديدة. قد تبدو المطالبة، للوهلة الأولى، محاولة من سياسي أخرج من الحكومة لإعادة فتح الباب الذي أغلق في وجهه. لكن اختزالها في الطموح الشخصي سيكون قراءة سطحية. فالانتخابات في أوكرانيا، في الظروف الحالية، ليست مجرد آلية لتوزيع المقاعد؛ إنها اختبار فلسفي لمصدر السيادة: هل تبقى الشرعية مستمدة من القدرة على إدارة الحرب، أم تعود تدريجيا إلى صندوق الاقتراع؟

هذا هو اللغم الحقيقي المزروع تحت المشهد السياسي الأوكراني. فالقانون العرفي والحرب يفرضان قيودا استثنائية على العملية الانتخابية، لا بسبب نزاع قانوني مجرد، بل بسبب واقع مادي قاس: ملايين الأوكرانيين خارج البلاد، مناطق محتلة، مدن معرضة للقصف، جنود موزعون على جبهات تمتد مئات الكيلومترات، وبنية انتخابية لا يمكن ببساطة نقلها إلى عالم الحرب ثم مطالبتها بإنتاج شرعية كاملة. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الاستثناء طويلا إلى درجة ينسى معها الناس أنه استثناء. فالديمقراطية لا تموت دائما بانقلاب عسكري. أحيانا تموت ببطء، تحت راية الضرورة، حين يصبح كل تأجيل قابلا للتبرير وكل تقييد قابلا للفهم وكل سلطة مؤقتة قابلة للاستمرار. والخطر هنا ليس أن تتحول أوكرانيا إلى ديكتاتورية بين ليلة وضحاها؛ فهذا تبسيط ساذج. الخطر الأدق هو أن تتآكل الحدود الفاصلة بين دولة الحرب ودولة ما بعد الحرب، بحيث يصبح ما كان ضروريا في زمن الطوارئ قاعدة سياسية في زمن آخر.

لهذا لا ينبغي النظر إلى فيدوروف باعتباره مجرد خصم محتمل لزيلينسكي، بل باعتباره أحد مؤشرات التحول من سياسة التعبئة إلى سياسة التنافس. وهذا التحول بالغ الخطورة. فما إن تبدأ الحرب في إنتاج سياسيين يمتلكون شعبية مستقلة عن الرئيس، حتى تتغير طبيعة النظام. يصبح الانتصار العسكري نفسه موضوعا للمنافسة السياسية. وتصبح طريقة إدارة الحرب، وتوزيع الموارد، والعلاقات مع الجيش، والمساعدات الغربية، وإعادة الإعمار، كلها أوراقا يمكن أن تنتقل من غرف القرار المغلقة إلى المجال الانتخابي. هنا يظهر السؤال الأكثر إثارة: لماذا تخشى السلطة، أو على الأقل تتحفظ، في مواجهة انتخابات أثناء الحرب؟ لأن الانتخابات لا تنتج فقط رئيسا جديدا؛ إنها تنتج احتمالات جديدة. والسياسة، في جوهرها، ليست إدارة النتائج المعروفة، بل إدارة الاحتمالات. قد يفوز زيلينسكي، وقد يخسر. وقد يخرج فيدوروف قويا، وقد تبتلعه المعركة الانتخابية. وقد يظهر لاعب ثالث. وقد تتحول الانتخابات إلى استفتاء على أداء السلطة أكثر مما تكون تنافسا بين الأشخاص. وفي جميع هذه الحالات، فإن مجرد فتح صندوق الاقتراع يفتح معه عشرات الأبواب التي لا يمكن إغلاقها بالمرسوم نفسه. ولذلك فإن صعود فيدوروف المحتمل لا يهدد زيلينسكي بالضرورة لأنه يمتلك برنامجا مضادا، وإنما لأنه يملك ما هو أخطر في السياسة: إمكانية أن يصبح بديلا.

البديل السياسي لا يحتاج دائما إلى إعلان الحرب على النظام القائم. يكفي أن يقف في مكان مختلف داخل المخيلة العامة. فإذا كان زيلينسكي يمثل في الوعي الجمعي صورة الدولة التي تقاتل كي تبقى، فقد يسعى فيدوروف إلى تمثيل صورة الدولة التي يجب أن تبدأ التفكير في اليوم الذي ستتوقف فيه الحرب عن تعريف كل شيء. وهنا تصبح المسألة أعمق من صراع بين رجلين. إنها مواجهة بين زمنين. زمن زيلينسكي هو زمن البقاء. أما الزمن الذي يحاول فيدوروف فتح بابه فهو زمن الشرعية المقبلة. وبين الزمنين يقف الجيش. فالجيش الأوكراني لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية؛ لقد أصبح أحد أعمدة الهوية الوطنية الجديدة. ولذلك فإن أي تغيير في قيادة الدفاع، وأي إقالة لوزير، وأي إعادة توزيع للنفوذ داخل المؤسسة العسكرية، يحمل دلالات تتجاوز البيروقراطية. حين يصبح الجيش جزءا من الذاكرة الوطنية، تصبح العلاقة بين السياسي والعسكري مسألة تتصل بهندسة الجمهورية نفسها.

ولهذا فإن إخراج شخصية عسكرية أو أمنية من موقعها لا يعني بالضرورة إضعافها. أحيانا يحدث العكس تماما. فإبعاد رجل من مركز السلطة قد يمنحه، paradoxically، حرية سياسية لم تكن متاحة له وهو داخل الحكومة. الوزير محكوم بالقرارات، أما الوزير السابق فيستطيع أن يتحول إلى صاحب رواية عن القرارات. وهذه هي قوة فيدوروف المحتملة. فالرجل الذي يخرج من السلطة يستطيع أن يعيد تعريف نفسه باعتباره شاهدا عليها. وكلما ازدادت شعبية الشاهد، أصبح من الصعب على السلطة أن تعامل وجوده باعتباره مجرد تفصيل إداري. والأخطر أن المجتمع الذي يعيش حربا طويلة لا يبحث فقط عن قائد قادر على الصمود، بل يبدأ، ولو ببطء، في البحث عن شخص قادر على تفسير معنى الصمود. وهذه لحظة سياسية شديدة الحساسية. فالشعوب قد تقبل القائد الذي يقول لها: اصمدوا. لكنها، بعد سنوات، تبدأ في سؤاله: إلى أين؟ السؤال الثاني أكثر خطورة من الأول. إنه سؤال ما بعد الحرب قبل أن تنتهي الحرب.

ومن هنا فإن مطالبة فيدوروف بانتخابات جديدة يمكن أن تكون، في حساب أكثر دهاء، محاولة لنقل مركز النقاش من كفاءة السلطة إلى شرعيتها المستقبلية. فإذا قبلت السلطة مبدأ الانتخابات، فتحت المجال أمام منافسة قد تهدد احتكارها السياسي. وإذا رفضته إلى أجل غير معلوم، فإنها تخاطر بإعطاء المعارضة السلاح الذي تبحث عنه: القول إن السلطة، التي دخلت الحرب باسم الدفاع عن الدولة، بدأت تتردد في إعادة السلطة إلى المجتمع. إنها معضلة لا تملك حلا نظيفا. فالانتخابات أثناء الحرب قد تكون غير عادلة أو ناقصة التمثيل، وقد يستحيل ضمان تصويت الملايين الموجودين في الخارج أو الجنود على الجبهات أو السكان في المناطق المتضررة. لكن تأجيلها أيضا ليس قرارا بلا ثمن. فكل تأجيل يراكم سؤالا جديدا حول اليوم الذي تنتهي فيه الضرورة الاستثنائية. ولهذا فإن المعركة السياسية الحقيقية لن تكون بين “الانتخابات” و”عدم الانتخابات”، بل حول شروط العودة إلى الحياة الدستورية الكاملة. متى تبدأ الدولة في الانتقال من منطق الطوارئ إلى منطق التنافس؟ من يقرر أن اللحظة قد حانت؟ هل يكون القرار عسكريا، أم قضائيا، أم برلمانيا، أم شعبيا؟ وهل تستطيع الدولة أن تضمن أن الانتخابات لن تتحول، في خضم الحرب، إلى سلاح داخلي يحقق ما عجز الخصم الخارجي عن تحقيقه؟

هذه الأسئلة تجعل مستقبل فيدوروف أكبر من مستقبله الشخصي. فإذا استطاع أن يتحول من وزير سابق إلى رمز لمطلب العودة إلى السياسة الطبيعية، فقد يصبح جزءا من المعادلة حتى من دون أن يصل إلى الحكم. وفي المقابل، إذا أخطأ في تقدير المزاج العام، وحاول تحويل الغضب الاجتماعي إلى سلم شخصي نحو السلطة، فقد يتحول من منافس محتمل إلى فصل عابر في تاريخ الحرب. أما زيلينسكي، فإن المعضلة التي تواجهه ليست التخلص من خصم سياسي، بل تجنب إنتاج خصم سياسي بسبب طريقة التعامل معه. فالسلطة الذكية لا تخشى المنافسة؛ إنها تخشى أن تجعل المنافس أكثر جاذبية من خلال محاولة إسكاته. وإذا كان التاريخ السياسي يعلمنا شيئا، فهو أن الشخصيات المعارضة لا تصبح خطيرة فقط بسبب قوتها، بل أحيانا بسبب أخطاء خصومها. فالسلطة قد تصنع، من حيث لا تدري، صورة البطل الذي كانت تحاول محاصرته.

ربما يكون السؤال الحقيقي الذي تطرحه أوكرانيا على نفسها اليوم ليس: من سيحكم بعد الحرب؟ بل: أي نوع من الجمهورية سيولد من رحم هذه الحرب؟ فالدولة التي تنتصر عسكريا لكنها تخرج من الحرب منهكة مؤسسيا ليست دولة منتصرة تماما. والدولة التي تحافظ على مؤسساتها ولكن تفقد القدرة على الدفاع عن نفسها ليست آمنة. والتحدي الأوكراني النادر هو الجمع بين الأمرين: أن تنجو الدولة من العدو الخارجي من دون أن تفقد، في أثناء نجاتها، الآليات الداخلية التي تجعلها دولة حرة. لهذا فإن فيدوروف ليس بالضرورة الرجل الذي سيهزم زيلينسكي. لكنه قد يكون الرجل الذي يجبر زيلينسكي على مواجهة السؤال الذي لا تستطيع الحرب تأجيله إلى الأبد: ماذا يحدث للديمقراطية عندما يصبح الاستثناء أطول من الذاكرة؟ قد تنتصر أوكرانيا في المعركة، وقد تتغير الحدود، وقد تتبدل التحالفات، وقد يعود ملايين النازحين، وقد ترتفع المدن من بين الرماد كما ترتفع الأشجار من أرض احترقتها النار. لكن المعركة الأعمق ستظل سياسية: هل تستطيع الجمهورية التي دافعت عن نفسها بالسلاح أن تعود، بعد ذلك، إلى الدفاع عن نفسها بالدستور؟ هناك فقط سيعرف التاريخ إن كانت الحرب قد أنقذت الدولة، أم أنها أنقذت أرضها ووضعت نظامها أمام امتحان آخر. امتحان لا تطلق فيه المدافع رصاصة واحدة. وتكون فيه ورقة الاقتراع أثقل من دبابة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *