النملة التي هربت من القصيدة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

يا اتساع الكون الفيزيائي، هذه النملة ليست نملة، بل عينك المغمضة حين تحلم بأن الجدار انكسر، فلم يبق سوى ارتجاجة تعيد ترتيب غبار الأبد. ثم حدث ما لم يكن ينبغي للغة أن تفعله: نزعت اللغة جلدها. خرجت الكلمات من أفواهها، واحدة واحدة، ومشت على أربع، تبحث عن معنى ضائع تحت لسان الكون. كانت كل كلمة تحمل كلمة أخرى في بطنها، وكل كلمة تلد صمتا أصغر منها، حتى صار الصمت نفسه حيوانا أعمى يعضّ ذيل الزمن. وفي مكان ما، كانت النملة تكبر دون أن تكبر. كانت تضع قدما فوق الفيل، وقدما أخرى فوق جملة لم تُكتب بعد، وكلّما خطت انطفأت مجرة، ثم عادت لتشتعل داخل حرف لا يعرف أحد كيف يُنطق.

أما الفيل، فقد اكتشف فجأة أن جلده لم يكن جلده، بل صفحة قديمة لكتاب نسي مؤلفه اسمه. قرأ النملة. فارتجف. ثم قرأت النملة الفيل. فانشقّ بينهما شيء يشبه المرآة، لكنه لم يعكس الوجوه، بل عكس الأشياء قبل أن تولد. هناك، في الجهة التي لا تقع في أي جهة، كانت اللغة جالسة وحدها، تخلع حروفها كما تُخلع الأقنعة، وتبكي حبرا أخضر. قالت للنملة: «لا تكتبي.» فكتبت. قالت: «لا تكوني.» فكانت. قالت: «لست صدى.» فالتفتت النملة نحوها وسألت: «صدى ماذا؟» ولم تجب اللغة. لأنها في تلك اللحظة كانت قد نسيت أنها لغة. وصارت نملة. وصارت النملة جدارا. وصار الجدار فما. وصار الفم كونا صغيرا يعضّ نفسه كي يتأكد أنه موجود.

وفي آخر الحرف، حيث لا تنتهي الكتابة بل تبدأ من مكان آخر، رفعت النملة أظفارها الخضراء وحفرت في جلد الأبد كلمة لم تستطع اللغة قراءتها. منذ ذلك الحين، وكلما قال أحدهم «أنا»، سقطت من فمه نملة صغيرة، تحمل على ظهرها مجرة لم تولد بعد. ولم يكن أحد يعرف: هل كانت النملة تكتب القصيدة… أم أن القصيدة كانت، منذ البداية، تحاول أن تلد نملة كي تتمكن من الهرب من الكاتب؟

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “النملة التي هربت من القصيدة

  1. مشكل الكاءن الوحيد الذي يتكلم، مع سر أسطورة بابل التي شقت اللسن حتى تبلبل الى الأبد، فيما هو يبحث عن نبتة الخلود. فكان الشعر في مختلف تجلياته الإبداعية، من دون أن يقول ما لم يقل بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *