بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير-باريس
كان البرلمان في تلك الليلة يشبه عقلا كبيرا فقد القدرة على النوم. لم تكن القاعة ممتلئة بالنواب وحدهم، بل بالأشباح التي تأتي عادة عندما يعجز الحاضر عن الإجابة عن أسئلته: أشباح التاريخ، وأشباح الجدات، وأشباح القوانين التي كتبت في زمن لم تكن فيه شبكات التواصل قد اخترعت بعد مراياها اللانهائية. في مقعدين متجاورين، جلس رجلان لا يعرف أحد كيف وصلا إلى هناك. الأول كان ابن رشد، لكن في جسد برلماني معاصر، يرتدي بدلة داكنة وينظر إلى القاعة كما لو أنه يرى وراء كل كلمة طبقة أخرى من الكلمات. والثاني كان مونتسكيو، أيضا في جسد برلماني، يضع أمامه نسخة من القانون، ويمرر أصابعه على صفحاتها كما لو كان يتحسس نبض السلطة.
كان موضوع الجلسة بسيطا في ظاهره، مرعبا في جوهره: الحجاب. قالت برلمانية من مقعدها إن من الضروري التفكير في منع الحجاب، أو في وضع قيود عليه، وإن الدولة لا تستطيع أن تترك المجال مفتوحا أمام الرموز التي قد تحمل، في نظرها، معنى اجتماعيا أو سياسيا يتجاوز قطعة القماش. ساد الصمت. ثم رفع ابن رشد رأسه. قال: «قبل أن نسأل ماذا تفعل الدولة بالحجاب، فلنسأل ماذا تفعل الدولة بالحرية عندما تبدأ في تفتيش رأس المرأة بحثا عن معناها». لم يتحرك أحد. تابع: «قد يكون الحجاب دينا عند امرأة، وعادة عند أخرى، وذكرى أم عند ثالثة، واختيارا شخصيا عند رابعة، وربما مجرد قطعة قماش عند خامسة. الدولة التي تريد أن تمنح كل هذه المعاني تعريفا واحدا، لا تنظم الواقع، بل تختصر الإنسان». ابتسم مونتسكيو ابتسامة صغيرة. وقال: «المشكلة ليست في القماش. المشكلة تبدأ عندما يصبح للسلطة شهوة لا تقاوم في ترتيب أجساد الناس».
ضحك أحد النواب. لم يضحك الآخرون. كان مونتسكيو قد بدأ يتحدث عن الحرية كما لو أنه يفتح نافذة في جدار البرلمان: «الحرية ليست أن تمنح المواطن إذنا كي يفعل ما تحبه السلطة. الحرية أن يعرف المواطن أن جسده وضميره لا يصبحان ملكا للدولة لمجرد أن الدولة تستطيع إصدار قانون». ثم نظر إلى البرلمانية التي كانت تطالب بمنع الحجاب. «لكن علينا أيضا ألا نقع في الخدعة المقابلة. لا يكفي أن نقول إن كل ما يسمى اختيارا هو اختيار حر. قد توجد ضغوط عائلية، وضغوط اجتماعية، وضغوط دينية، وضغوط اقتصادية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل المرأة محجبة؟ بل: هل تستطيع المرأة أن تختار الحجاب، وألا تختاره، من دون أن يعاقبها أحد؟»

هنا تدخل ابن رشد: «وهذه هي النقطة التي يضيع فيها النقاش عادة. بعض الناس يريدون تحرير المرأة من الحجاب بإجبارها على نزعه. وبعضهم يريدون حمايتها بإجبارها على ارتدائه. في الحالتين، المرأة تختفي، ويبقى الآخرون يتحدثون عنها». فجأة بدت القاعة أصغر. كأن البرلمان نفسه أصبح قطعة قماش معلقة بين يدين متعاركتين. وفي مكان ما من الشرفة، جلست امرأة مسنة تحمل منديلا على رأسها. كانت تنظر إلى النواب باستغراب. ربما كانت قد وصلت إلى فرنسا في الجيل الأول من الهجرة. ربما عاشت نصف عمرها وهي تعبر الشوارع بهذا المنديل دون أن تسأل أحدا إن كان يحق لها ذلك. تساءلت في صمت: إذا جاء القانون يوما وقال لها: انزعيه، ماذا ستفعل؟ هل ستقول لها الدولة إن السنوات التي عاشتها هنا كانت خطأ؟ هل ستطلب من جدتها أن تعتذر عن صورة قديمة؟ هل ستقف أمام أمها في الشارع وتشرح لها أن ما كان جزءا من حياتها أصبح فجأة مشكلة سياسية؟ وماذا سيقال للنساء اللواتي لم يكن الحجاب عندهن شعارا ولا برنامجا انتخابيا ولا مشروعا للهيمنة، بل قطعة من الذاكرة، مثل معطف قديم، أو صورة عائلية، أو رائحة خبز تأتي من بيت لم يعد موجودا؟ ثم يأتي السؤال الأكثر قسوة: هل يمكن أن يتحول خطاب حماية المرأة إلى خطاب آخر يصادر المرأة؟
إنها مفارقة سوداء تكاد تكون جاهزة لمسرح العبث: امرأة تقول لامرأة أخرى «سأحررك»، ثم تمد يدها إلى رأسها. أي تحرير هذا الذي يحتاج إلى شرطي يقيس مقدار الحرية بالسنتيمتر؟ لكن السخرية لا تنتهي هنا. ففي الجهة الأخرى من القاعة، كان هناك خطاب آخر يريد أن يجعل الحجاب دليلا نهائيا على التدين، وكأن المرأة لا تستطيع أن تكون مسلمة إلا إذا تكلمت ملابسها نيابة عنها. وهنا عاد ابن رشد إلى الكلام:
«لا تجعلوا المرأة سجلا متنقلا للعقيدة. الدين أوسع من القماش، والإنسان أوسع من العلامة التي يضعها على جسده».
قال مونتسكيو:
«ولا تجعلوا العلمانية دينا جديدا له زي رسمي».
ساد الصمت مرة أخرى. كان الجملتان قد اصطدمتا في منتصف القاعة، وخرج منهما سؤال ثالث: من يحرس الحرية عندما تتحول الحرية نفسها إلى أداة للوصاية؟ فالحجاب ليس وحده في هذه المسألة. هناك الجسد. وهناك الدولة. وهناك الأسرة. وهناك المجتمع. وهناك السوق. وهناك السياسة التي تكتشف أحيانا أن قطعة قماش يمكن أن تصبح أكثر فائدة انتخابيا من مئة صفحة فلسفة. وهنا يجب أن نكون أكثر حذرا. ربما يكون بعض الخطاب السياسي حول الحجاب مجرد إعادة تدوير لعبارات قديمة، تجمع المخاوف الموجودة في المجتمع، ثم تعيد تقديمها في صورة موقف جديد. وربما تكون وراء بعض الدعوات دوافع تتعلق بحماية المرأة أو بالهوية أو بالنظام العام. لكن لا يمكن اختزال كل خطاب في نية واحدة من دون أدلة.
السؤال الأهم ليس: ماذا تريد البرلمانية في داخلها؟ بل: ماذا سيحدث عندما تتحول الفكرة إلى قانون؟ هذه هي اللحظة التي يصبح فيها الكلام أثقل من صاحبه. لأن الدولة عندما تمنع، لا تناقش فقط. إنها تغير حياة أشخاص حقيقيين. وعندما تسمح، لا تنسحب من المجتمع أيضا. إنها تترك مساحة للاختيار، لكنها تظل مطالبة بحماية من يتعرض للإكراه أو التمييز. وهنا يظهر جيل آخر، أكثر غرابة من كل البرلمانيين. جيل ولد في فرنسا، ويتحرك بين عشرات العوالم في هاتف واحد. بنات يعرفن ما يحدث في طهران وباريس ونيويورك والدار البيضاء وإسطنبول قبل أن يقرأ السياسيون الصحف الصباحية. شابات يتابعن النقاشات العالمية حول الجسد والدين والنسوية والحرية والهوية، ويعرفن أن العالم أكبر بكثير من البرلمان الذي يتحدث عنهن. ومن الخطأ أن نتخيلهن دائما ضحايا ينتظرن أحدا لينقذهن. قد تكون بعضهن محجبات بإرادتهن. وقد تكون بعضهن غير محجبات بإرادتهن. وقد تغير إحداهن رأيها عشر مرات خلال حياتها. وهذه ربما هي الحرية في صورتها الأكثر إزعاجا للسياسة: أن الإنسان ليس مشروعا ثابتا. إنه يتغير. يفكر. يتراجع. يتمرد. يعود. ويكتشف نفسه. ولذلك ربما كان السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح في البرلمان ليس: «هل نمنع الحجاب؟» بل: «هل تستطيع امرأة أن ترتدي الحجاب دون أن يفرضه عليها أحد، وأن تنزعه دون أن يفرض عليها أحد نزعه؟»
إذا كانت الإجابة نعم، فقد اقتربنا من معنى الحرية. أما إذا كان المجتمع يريد أن يمسك رأس المرأة من الجهة اليمنى، والدولة تريد أن تمسكه من الجهة اليسرى، ثم يختلفان أمامها حول من يملك الحق في تحريرها، فربما تكون المرأة هي الشخص الوحيد الذي لم تتم دعوته إلى جلسة البرلمان. عندها نهض ابن رشد. ونظر إلى مونتسكيو. وقال: «يبدو أننا لم نحل المشكلة». أجابه مونتسكيو: «الفلسفة التي تحل كل شيء في جلسة واحدة ليست فلسفة. إنها دعاية». وضجت القاعة بالضحك. حتى البرلمانية ضحكت. وفي آخر الصف، رفعت المرأة المسنة يدها. لم يسمح لها رئيس الجلسة بالكلام. لكنها بقيت واقفة. وكان على رأسها منديل أبيض صغير. للمرة الأولى، بدا المنديل أكبر من البرلمان كله.
