خيمة الجزيرة أمام البرلمان المغربي: هل لتغطّية الانتخابات أم للبحث عن شيء آخر؟

بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير-باريس

في الرباط، يحدث شيء يشبه المسرح، لكن من دون ستارة. أمام البرلمان، حيث تعوّد الحجر أن يصمت طويلا، نصبت الجزيرة استوديوها. كاميرات، مراسلون، أضواء، شاشات، خرائط، وجوه تعبر أمام العدسات، وهواء سياسي كثيف كأنّ المدينة نفسها تحولت، لبرهة، إلى جهاز بثّ عملاق. اليوم يذهب المغاربة إلى صناديق الاقتراع. لكن الجزيرة وصلت قبلهم. ليس السؤال: لماذا تغطي الجزيرة انتخابات المغرب؟ فهذا سؤال صغير، والإجابة عنه سهلة: لأنّ المغرب بلد مهم، والانتخابات استحقاق تشريعي كبير، ولأن القنوات الدولية تعيش من مطاردة اللحظات التي يتغير فيها اتجاه التاريخ. السؤال الأكثر إزعاجا هو: لماذا بهذا الحجم؟ لماذا الاستوديو أمام البرلمان تحديدا؟ لماذا هذا الانتشار الميداني؟ لماذا هذه الكثافة التحريرية في الأيام الأخيرة؟ ولماذا يبدو حزب العدالة والتنمية، وخصوصا عبد الإله بنكيران، حاضرا في المشهد الإعلامي للجزيرة بما يكفي لكي يثير ذلك فضول المتابع؟ فالجزيرة نفسها نشرت في الأيام الأخيرة مادة مطولة بعنوان لافت عن بنكيران، وخصصت تغطيات متتابعة للمشهد الانتخابي المغربي، من الحملات إلى البرامج والدوائر والشباب.

لا تكفي هذه الوقائع، وحدها، لإثبات انحياز أو نيّة سياسية. لكنّها تكفي لصناعة سؤال. والأسئلة، في السياسة، أخطر من الأجوبة. فالجزيرة ليست كاميرا معلقة في سقف قاعة. إنّها مؤسسة إعلامية ذات تاريخ وثقل وتأثير عربي عابر للحدود. وعندما تنزل بكل هذا الثقل إلى بلد ما، فإنّها لا تنقل المشهد فقط؛ إنّها، شئنا أم أبينا، تصبح جزءا من المشهد. وهنا تظهر المفارقة الجميلة والمقلقة في آن واحد: هل الإعلام مرآة للسياسة، أم أن المرآة نفسها تستطيع أن تغيّر شكل الوجه الذي تنعكس عليه؟ قد تكون الجزيرة ببساطة تمارس مهنية عالية. وقد تكون قد اكتشفت أن الانتخابات المغربية تستحق تغطية لا تقل عن الانتخابات الكبرى في المنطقة. وقد تكون أرادت أن تختبر قدرتها على صناعة تغطية انتخابية ميدانية أكثر عمقا. كل ذلك ممكن. لكن الممكن الآخر موجود أيضا. وهو أن تكون الانتخابات المغربية بالنسبة إلى الجزيرة أكثر من مجرد خبر.

فالمغرب ليس, فقط, رقعة جغرافية في الخريطة العربية. إنّه بلد يملك خصوصيته السياسية، وتوازنه المؤسساتي، وعلاقاته الإقليمية المعقدة، وموقعه المختلف في شمال إفريقيا. وانتخاباته لا تعني فقط من سيدخل البرلمان، بل تكشف شيئا عن العلاقة بين المواطن والحزب والدولة، وعن حدود قدرة الأحزاب على تحويل الغضب الاجتماعي إلى أصوات، وعن قدرة السياسة على استعادة مواطن فقد شيئا من إيمانه بها. وهنا تحديدا تصبح الانتخابات مغرية للإعلام. لأنّ الصندوق الانتخابي ليس صندوقا. إنّه بئر. وكل قناة تنظر إليه بطريقتها.

العدالة والتنمية يعرف هذا البئر جيدا. الحزب الذي تصدر انتخابات 2016 بـ125 مقعدا، ثم تلقى في 2021 هزيمة شديدة الانخفاض إلى 13 مقعدا، يعود في 2026 محاولا إعادة بناء حضوره. وهنا يظهر بنكيران. الرجل الذي تجاوز، في مرحلة ما، حدود الحزب الذي يقوده، حتى إن الجزيرة نفسها اختارت أن تضع هذه الفكرة في عنوان مادة حديثة: «بنكيران.. الزعيم الذي أصبح أكبر من حزبه». هل يمكن أن تكون هذه الشخصية الإعلامية جذابة لقناة تبحث عن قصة انتخابية؟ بالتأكيد. هل يعني ذلك أن القناة تريد إعادة الحزب إلى الواجهة؟ لا يمكن استنتاج ذلك من التغطية وحدها. لكن ثمّة حقيقة أكثر عمقا: الإعلام لا يحتاج إلى أن يصوت لكي يأثر؛ يكفيه أن يقرر أين يضع الضوء. وهذه هي المسألة التي تستحق التفكير.

فالانحياز الإعلامي لا يبدأ دائما من الخبر الكاذب. أحيانا يبدأ من اختيار الخبر. ثم من اختيار الضيف. ثم من طول المقابلة. ثم من السؤال الذي يُطرح، والسؤال الذي لا يُطرح. ثم من الصورة. ثم من تكرار الوجه نفسه حتى يصبح مألوفا، والمألوف يتحول في الوعي العام إلى مهم، والمهم يتحول تدريجيا إلى مركزي. هذه ليست مؤامرة بالضرورة. إنها طبيعة الإعلام. الضوء نفسه يمكن أن يكون محايدا من حيث الفيزياء، لكنه ليس محايدا حين يقرر أي جزء من المسرح سيظهر وأي جزء سيبقى في الظلام. ولذلك، فإن السؤال الأكثر ذكاء ليس: «هل تحب الجزيرة العدالة والتنمية؟» هذا سؤال عاطفي، وربما ساذج. السؤال الأعمق هو: ما الذي تراه الجزيرة في المغرب ولا نراه نحن؟ أو ربما: ما الذي تريد أن تجعلنا نراه؟

بين السؤالين مسافة فلسفية هائلة. فالإعلام الدولي لا يدخل المجتمعات فقط لكي يراقبها؛ إنّه يعيد ترتيبها في عين المشاهد. يمنح بعض الوقائع اسما، وبعضها حجما، وبعضها سياقا، وبعضها صمتا. وفي انتخابات 2026، تبدو هذه المسألة أكثر حساسية لأنّ المغرب يدخل الاقتراع في لحظة اجتماعية وسياسية ليست بسيطة. فالمنافسة تجري على 395 مقعدا، وسط مشاركة 27 حزبا، بينما تتقدم قضايا الشغل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية والشباب إلى واجهة النقاش. أي أن القصة ليست بنكيران وحده. وليست العدالة والتنمية وحده. وليست الجزيرة وحدها. القصة هي المواطن الذي يقف أمام صندوق صغير، بينما تحيط به صناديق أكبر: صندوق الدولة، صندوق الحزب، صندوق الاقتصاد، صندوق الإعلام، وصندوق الذاكرة. والأغرب أن الناخب قد يدخل مركز الاقتراع وهو يظن أنه سيختار حزبا، بينما هو في الحقيقة يجيب عن سؤال أقدم بكثير: هل ما زلت أؤمن بأن صوتي يستطيع أن يغيّر شيئا؟

هنا تصبح التغطية الإعلامية مهمة. لأنها لا تراقب الانتخابات فقط؛ إنها تراقب علاقة الناس بفكرة الانتخابات. والجزيرة، بحضورها المكثف، تبدو كأنها تقول للمغرب: نحن هنا. لكن ماذا تعني «هنا»؟ هل تعني: نحن هنا لنرى؟ أم: نحن هنا لنفهم؟ أم: نحن هنا لأن ما سيحدث في المغرب يهمنا؟ أم أن «هنا» تحمل طبقة رابعة أكثر غموضا، تتصل بالمنافسة الإعلامية والسياسية والإقليمية التي جعلت من القنوات العربية الكبرى أكثر من مجرد مؤسسات إخبارية؟ لا ينبغي القفز إلى الإجابة. فالشك الذكي ليس اتهاما. والاحتياط المعرفي ليس جبنا. قد يكون كل ما يحدث مهنيا تماما. وقد يكون وراءه، في الوقت نفسه، وعي سياسي بأهمية اللحظة. وهذان الأمران ليسا متناقضين. بل ربما تكون أكثر أشكال القوة الإعلامية تعقيدا هي تلك التي تستطيع أن تكون مهنية ومؤثرة في الوقت نفسه. إن الجزيرة لا تحتاج إلى أن تقول للناخب المغربي: «صوّت لهذا الحزب». يكفيها أن تصنع مسرحا تُرى فيه بعض الشخصيات بوضوح أكبر من غيرها. لكن هل يحدث ذلك فعلا؟ هذا سؤال يجب أن يجيب عنه تحليل التغطية الكاملة: عدد المواد، مساحة كل حزب، نوع الضيوف، طبيعة الأسئلة، الصور المستخدمة، ترتيب الأخبار، اللغة، العناوين، وتوزيع الحضور الميداني. أما الانطباع وحده فلا يكفي. فالسياسة الحديثة لا تُقرأ بالنوايا. تُقرأ بالأنماط.

ربما تكون المفارقة أن الجزيرة، وهي تنصب كاميراتها أمام البرلمان المغربي، لا تراقب الانتخابات فقط. إنها تراقب أيضا نفسها. تختبر صورتها أمام جمهور عربي يعرف تاريخها، ويعرف أن الكاميرا يمكن أن تكون نافذة، ويمكن أن تكون سكينا. ويمكن أن تكون مرآة. والمرآة، كما قال بورخيس ذات مرة في روح أعماله، ليست بريئة تماما؛ لأنها لا تكتفي بأن تعكس العالم، بل تجعلنا نراه بطريقة لم نكن نراه بها قبل أن نقف أمامها. اليوم ستدخل أوراق صغيرة إلى صناديق صغيرة. وقد تخرج منها نتائج كبيرة. لكن قبل أن نعرف من ربح ومن خسر، هناك سؤال آخر يستحق أن يبقى معلقا فوق الرباط، مثل طائر لا يريد أن يهبط: حين تنزل قناة دولية بكل هذا الثقل إلى انتخابات بلد، هل تأتي لتروي ما يحدث، أم لأنّ ما يحدث يستحق أن يُروى بطريقة معينة؟

وربما تكون الإجابة الأكثر نضجا هي ألا نختار بين الاحتمالين بسرعة. لأن الإعلام الكبير قد يفعل الأمرين معا. قد يأتي حبا في الخبر. وقد يأتي بحثا عن التأثير. وقد يأتي بحثا عن قصة. وقد يأتي لأن في المغرب شيئا سياسيا لا تريد المنطقة أن تفوّت لحظة ولادته. أما إذا كان في كل ذلك ميل خفي نحو حزب بعينه، فلن تثبته كثرة الكاميرات ولا كثرة الأسئلة. ستثبته، إن ثبت، التفاصيل الصغيرة. والتفاصيل هي دائما المكان الذي تختبئ فيه الحقيقة عندما تتعب من الوقوف تحت الأضواء.

One thought on “خيمة الجزيرة أمام البرلمان المغربي: هل لتغطّية الانتخابات أم للبحث عن شيء آخر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *