حين يدخل البابا المدرسة: هل تتسع العلمانية للسماء أم تخاف منها؟

بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير-باريس

في 25 سبتمبر، حين يصل البابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا، لن تهبط الطائرة وحدها في مطار أورلي. سيهبط معها سؤال قديم، لكنه يرتدي هذه المرة بدلة جديدة: ماذا تفعل الجمهورية العلمانية حين تستقبل رجلا يأتي من عالم لا تعترف به الدولة كمرجعية، لكنها لا تستطيع، ولا تريد، أن تتجاهل وجوده؟ فالزيارة ليست هامشا بروتوكوليا في دفتر العلاقات الدولية. إنها أربعة أيام ستعبر باريس ولورد وميتز، وستمر من قصر الإليزيه إلى اليونسكو، ومن نوتردام إلى ملعب فرنسا، ومن الساحة العامة إلى الأماكن التي تتكلم فيها الذاكرة الدينية بصوت أعلى من السياسة.

وفي قلب هذه الزيارة ظهر تفصيل أكثر حساسية من كل المواكب: التعليم. طلبت الأمانة العامة للتعليم الكاثوليكي تخصيص يوم الجمعة 25سبتمبر في المؤسسات الكاثوليكية المتعاقدة مع الدولة للقيام بأنشطة حول ليون الرابع عشر وموضوعات مرتبطة بالكنيسة، من بينها في المرحلة الابتدائية أعمال عن السلام، وفي مراحل أخرى التعرف إلى الفاتيكان ودور البابا. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية. لأن الطفل، في هذه القصة، لا يجلس في الصف وحده. تجلس إلى جواره الجمهورية. وتجلس الكنيسة. وتجلس الأسرة. وتجلس الذاكرة. وتجلس العلمانية في آخر المقعد، تحمل حقيبتها الصغيرة وتنظر إلى الجميع كمدرس عجوز يعرف أن السؤال أصعب من الدرس.

المفارقة أن فرنسا لا تعيش في فراغ ديني. إنها تعيش في دولة علمانية. وهذان شيئان مختلفان تماما. العلمانية الفرنسية، كما تعرضها وزارة التربية، لا تعني محو الدين من المجتمع، بل حماية حرية الاعتقاد وعدم الاعتقاد، وضمان حياد الدولة، ومنع التبشير الديني داخل المدرسة العمومية. أما المؤسسات الخاصة المتعاقدة مع الدولة، فلها «طابعها الخاص»، لكنها تظل مرتبطة بالمناهج والقواعد العامة للتعليم الوطني وتخضع لرقابة الدولة. وهنا تصبح المسألة أشبه بساعة دقيقة وضعت داخلها حمامة. هل يمكن للحمامة أن تطير دون أن تكسر عقارب الساعة؟

السؤال ليس ساخرا من الدين. بل العكس. إنّه يحاول أن يحمي الدّين من أن يتحول إلى مادة مدرسية مبتسرة، ويحمي المدرسة من أن تتحول إلى مذبح تعليمي، ويحمي الدولة من أن تصبح شرطيا يقف عند باب الروح ويسأل كل تلميذ: إلى أي سماء تنتمي؟ فالدولة العلمانية لا يفترض أن تخاف من البابا. كما لا يفترض أن تنحني له. وظيفتها أكثر صعوبة من ذلك بكثير: أن تتركه يتكلم، وأن تترك الناس يختلفون حول كلامه، وأن تضمن في الوقت نفسه أن الطفل لا يصبح مواطنا أقل قيمة لأنه يؤمن، ولا مواطنا أكثر قيمة لأنّه لا يؤمن. وهذه هي الفكرة التي تجعل استقبال البابا في فرنسا أكثر إثارة للاهتمام من مجرد استقبال رجل دين. فالضيف نفسه سيزور اليونسكو، وسيتحدث في فضاء عالمي يرتبط بالتربية والثقافة والعلوم والفنون والبيئة والذكاء الاصطناعي، كما سيزور مواقع دينية ويلتقي شبابا ومرضى ومهاجرين وغيرهم. إنّه يدخل فرنسا من أبواب كثيرة. لكن أي باب يدخل منه إلى المدرسة؟

ذلك هو السؤال. لأنّ المدرسة ليست كنيسة. وليست ثكنة علمانية. وليست أيضا غرفة انتظار للعالم. إنّها المكان الذي يتعلم فيه الطفل أن العالم أكبر من عقيدته، وأن عقيدته، إن كانت له واحدة، لا تمنحه حق إلغاء عقيدة الآخر. ولهذا تبدو فكرة تخصيص يوم كامل للبابا داخل المؤسسات الكاثوليكية المتعاقدة مع الدولة مثيرة للاهتمام أكثر مما تبدو للوهلة الأولى. يمكن أن يكون اليوم مناسبة للتعرف إلى شخصية دينية عالمية، وإلى تاريخ الكنيسة، وإلى مفهوم السلام، وإلى الفاتيكان، وإلى العلاقة بين الدين والمجتمع. وهذا يمكن أن يصبح مادة معرفية حقيقية. لكن الفرق بين المعرفة والاحتفاء دقيق جدا. في المعرفة، يمكن للطالب أن يسأل: من هو البابا؟ ما صلاحياته؟ كيف يعمل الفاتيكان؟ ما تاريخ الكنيسة؟ ما الذي تقوله المسيحية عن السلام؟ ما الذي يقوله منتقدو الكنيسة؟ وما الذي يقوله المؤمنون؟

أما الاحتفاء وحده فيبدأ حين يصبح السؤال وقاحة، والنقد قلة أدب، والاختلاف نقصا في التربية. هنا تبدأ المشكلة. فالمدرسة التي تعلم الطفل أن يحترم شخصية دينية لأنّها مقدسة عند بعض الناس، من دون أن تعلمه حقّه في مناقشة أفكارها، لا تعلمه الاحترام. تعلمه الطاعة. والفرق بين الإثنين هو الفرق بين مواطن يفكر ومواطن يؤدي التحية. وفي المقابل، المدرسة التي تتعامل مع الدين كما لو أنه فيروس يجب تطهير الطاولات منه لا تحمي العلمانية. إنّها تحول العلمانية إلى عقيدة مضادة. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لها. فالطفل الذي يتعلم أنّ كل حديث عن الدين ممنوع، سيكتشف خارج المدرسة أنّ الدين موجود. وحينها قد يظن أنّ المدرسة كانت تخفي عنه شيئا. أمّا الطفل الذي يتعلم أنّ الدين يمكن دراسته، ومناقشته، وفهمه، وانتقاده باحترام، فسوف يخرج من المدرسة وهو يحمل سلاحا أكثر أهمية من السخرية: التمييز بين الإيمان والمعرفة. ولهذا ربما لا ينبغي لفرنسا أن تسأل فقط: هل يحق لهذه المدارس أن تحتفي بالبابا؟ بل ينبغي أن تسأل سؤالا أكثر ذكاء: ماذا سيتعلم الطفل من هذا الاحتفاء؟

إذا تعلم السلام، فهذا جيّد. إذا تعلم تاريخا دينيا، فهذا جيّد. إذا تعلم معنى التضامن، فهذا جيّد. إذا تعلم أن المختلف عنه ليس عدوا، فهذا أفضل. أما إذا تعلم فقط أنّ رجلا أبيض الثوب ينبغي أن تصفق له السماء والأرض، فقد تكون المدرسة قد نسيت وظيفتها في اللّحظة التي حاولت فيها أن تعلمه شيئا. والمفارقة السوداء أنّ الجمهورية الفرنسية قد تجد نفسها أمام امتحان لم تضعه في برنامجها. فالكنيسة تقول، بصورة أو بأخرى: دعونا نتحدث عن السلام. والدولة تقول: نعم، ولكن من دون أن يتحول السلام إلى عقيدة مفروضة. والمدرسة تقول: نستطيع أن نتحدث عن البابا. والعلمانية ترفع أصبعها من آخر الصف: نعم، ولكن تحدثوا عنه كما تتحدثون عن أيّ شخصية يمكن دراستها، لا كما يتحدث المؤمن أمام مذبح. ثم يدخل التلميذ. يسأل سؤالا بريئا: «هل البابا مقدس؟» يصمت الكبار. فالطفل لم يكن يعلم أنّه وضع أصبعه على الجرح القديم للعلاقة بين المقدس والجمهورية. يجيب المعلم:

«بالنسبة إلى المؤمنين، له مكانة دينية خاصة. أمّا في المدرسة، فنحن ندرسه كشخصية دينية وتاريخية معاصرة.» وهنا، ربما، تكون فرنسا قد نجحت في امتحان صغير. لا لأنّها أغلقت الباب. ولا لأنّها فتحته بالكامل. بل لأنّها تركته مواربا بما يكفي لدخول المعرفة، ومغلقا بما يكفي لمنع الإكراه. أمّا الحكومة الفرنسية، إذا واجهت طلب المؤسسات الكاثوليكية، فلن يكون السؤال القانوني البسيط هو: هل نحب البابا أم لا؟ ذلك سؤال لا معنى له بالنسبة إلى الدولة. السؤال هو: كيف يتم هذا اليوم داخل الإطار القانوني والتربوي، وكيف ينسجم مع التزامات المؤسسات المتعاقدة مع الدولة، ومع حرية الوعي، ومع عدم تحويل النشاط التربوي إلى تبشير؟

فالقانون الفرنسي لا يطلب من الدولة أن تعادي الدين؛ بل يفرض عليها الحياد، ويضمن في الوقت نفسه حرية المعتقد. كما أن المؤسسات الخاصة المتعاقدة لا تعيش خارج النظام التعليمي الفرنسي، حتى وهي تحتفظ بطابعها الخاص. ولهذا قد يكون الرد الحكومي الأكثر اتزانا ليس المنع ولا المباركة المطلقة. بل السؤال. ما مضمون اليوم؟ من يديره؟ ما الذي سيقال للأطفال؟ هل توجد مساحة للنقاش؟ هل يعرف الطفل الفرق بين التعرف إلى دين وبين اعتناق دين؟ وهل يستطيع طالب لا يؤمن أن يشارك في اليوم من دون أن يشعر أنه ضيف على مدرسة يفترض أنها مدرسته؟ هذه الأسئلة ليست عداء للكنيسة. إنها حماية للمدرسة. وليست عداء للبابا. إنها احترام لفكرة أن البابا نفسه، حين يأتي إلى بلد ديمقراطي علماني، لا يحتاج إلى مدرسة تتخلى عن علمانيتها كي تستقبله. ربما العكس هو الصحيح. ربما أجمل استقبال يمكن أن تمنحه الجمهورية لرجل دين هو أن تتركه يتكلم في فضاء يحمي حتى من يختلف معه. فالسلام الذي ستتحدث عنه المدارس لا يبدأ دائما من الحمامة الورقية التي يصنعها الطفل بيديه. أحيانا يبدأ من شيء أكثر صعوبة: أن يجلس طفل مؤمن إلى جانب طفل غير مؤمن، ويكتشف الاثنان أن اختلافهما لا يحتاج إلى شرطي.

وهنا تصبح زيارة البابا أكثر من زيارة بابا. تصبح اختبارا صغيرا لمدى نضج فرنسا في علاقتها بما تؤمن به، وما لا تؤمن به، وما تسمح للآخرين بأن يؤمنوا به. فالدولة الواثقة من علمانيتها لا ترتجف أمام صليب. والدين الواثق من رسالته لا يخاف من سؤال طفل. والمدرسة الواثقة من رسالتها لا تخاف من أن تضع المقدس على الطاولة وتقول: انظروا. هذا جزء من عالمنا. ادرسوه. ناقشوه. احترموه. لكن لا تسلموا عقولكم له. ربما هنا فقط تستطيع الحمامة أن تطير. لا فوق المدرسة. ولا فوق الكنيسة. بل بينهما. وحين تعبر سماء فرنسا في ذلك اليوم، قد لا يكون أهم ما تحمله في جناحيها صورة البابا، ولا شعار الكنيسة، ولا حتى شعار الجمهورية. قد تحمل سؤالا صغيرا جدا، لكنه أثقل من كل الأجراس: هل نستطيع أن نربي أطفالا يؤمنون بما يشاؤون، ويشككون فيما يشاؤون، ويحترمون ما لا يؤمنون به؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن فرنسا لم تستقبل البابا فقط. لقد استقبلت نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *