في سموم القلوب ومقارعة الأقدار

(بقلم زكية لعروسي، باريس (سيكولوجية الكراهية

عندما تزحف أفعى الحسد في دروب التاريخ، لا تترك خلفها غير أثر سمّها العالق في جدران النفوس المريضة. والمغرب، تلك الجوهرة المتلألئة في محيط من الرمال والأمواج، كان دوما مرآة تعكس للعالم صورة الجمال والصمود. لكنّ المرايا لا تحتمل إلا النفوس الصافية؛ فهي تحرق عيون الحاسدين بوهجها، وتريهم عيوبهم مضاعفة كما يرى القابع في الظل شمس الظهيرة فتدمع حدقتاه. في مملكة الضوء هذه، حيث تصافح جبال الأطلس عنان السماء وتهمس الصحارى بأسرار الكون، اعتاد العابرون أن يجدوا طعم الأمان في رمالها الذهبية. ولكن ثمّة من لا يطيق رائحة الورد المغربي، فيستعيض عنها بأنين الحقد المتآكل، تماما كتلك الأفاعي التي تظن أنها تسمم الأرض بزحفها، غير مدركة أن الأرض تزدهر رغم أنيابها.

يقول علماء الزواحف: إن الأفعى لا تهاجم إلا حين تشعر بالتهديد، وأن أكثر عضّاتها خطورة ليست في سمّها، بل في ردود الفعل التحسسية التي توقظها في جسد المصاب. وما أصدق هذا على ساحة العلاقات بين الأمم! فجيران المغرب -أولئك الذين يئنّون تحت وطأة حسد مَرَضيّ- يظنّون أنهم يلدغون المملكة بسمومهم، لكنّ الواقع أنهم يلدغون أنفسهم أولا، إذ لا يتحسّسون إلا من جمال الآخر وازدهاره. أتأمل, قارئي العزيز, ذلك الكيان المجاور، وقد لفّته عُقد التاريخ في شرنقة من الأسى، فأصبح لا يرى العالم إلا عبر عدسة الانتقام. وكالأفعى العمياء التي تحسب ظلها عدوّا، يظلّ يضرب في الفراغ ويجرح هواء لا يؤلم. أليس من المضحك المبكي أن تتهم المملكة بالعداء، بينما هي تمتد بأذرع الرحمة لكلّ من لجأ إليها؟ أليس من الغرابة أن ترمي بالاتهامات شعب لا يملك من الحجّة إلا حقدا تراكميّا كالسمّ الذي لا يقتل غيره بل يفتك بصاحبه؟

في سويسرا البعيدة، حيث يتعلّمون التمييز بين الأفعى السامّة والثعبان الأليف، يوصون المسافر بأن يمشي محدثا ضجّة لطرد الزواحف. والمغرب يفعل ذلك منذ قرون: يحدث ضجّة العمران، ضجّة الفنّ، ضجّة الرياضة، ضجّة الديمقراطية الناشئة، ضجّة المرأة التي تكسر القيود، ضجّة الشباب الذي يغزو الفضاءات. وهذه الضجّة كفيلة بطرد كلّ الأفاعي الحاقدة، سواء تلك التي تزحف في الصحراء أو تلك التي تسكن مكاتب المؤامرات. إن المملكة -بما تملكه من حكمة الملوك وصبر الشعوب- تتقن فنّ التعامل مع السموم. فهي كالكوّارع (الجِمال) التي تأكل الشوك ولا تتأذى، وتشرب من الماء المالح ولا تظمأ. إعطِ المغرب مؤامرة، يردّها عبقرية. إعطه حقدا، يردّه فنّا. إعطه حصارا، يردّه انفتاحا. هذا هو سرّ البقاء: ألا تتحوّل إلى أفعى لأنك عُضِضت، بل أن تصبح ترياقا لكلّ سمّ.

في رحاب الفلسفة، نجد أن الحسد ليس مجرّد شعور، بل حالة وجودية مرضية. إنه ذلك الشعور بالدونية الذي يدفع صاحبه إلى تسميم هواء الآخرين، متناسيا أن الهواء يتنفّسه الجميع. والمغرب، في علاقته مع جاره الشرقي، يتصرّف كالحكيم الذي يبتسم عند سماع الشتائم، عارفًا أن الكلب النبّاح لا يعضّ أبدا، وأن الأفعى التي تهدر كثيرا لا سمّ لها. ولعلّ أطرف ما في الأمر أن هذا الجار، في سعيه الدائب لتقليد المغرب أو تجاوزه، يصبح أسير حركاته، كما تصير الأفعى أسيرة ذيلها حين تحاول عضّه. يريدون بناء ميناء طنجة؟ نبني ميناء آخر. يريدون تنظيم مونديال؟ ننظّم نحن أيضا. يريدون جذب الاستثمارات؟ نحن الأجدر والأسبق. كلّ خطوة يخطونها في اتجاه المغرب، ليست إلا اعترافا خفيّا بفضل المغرب وسموّ تجربته.

في متاهات النفس البشرية، ثمّة جرح أزلي يسكن كلّ إنسان: جرح الوعي بالآخر. ذلك الجرح الذي يجعلنا نرى في مرآة الآخر ما نفتقده في أنفسنا. والمغرب، بكلّ بهائه، ليس إلا مرآة صافية  للجارة الشرقية: يرى فيها جماله الضائع، يرى فيها حريته المهضومة، يرى فيها نجاحاته المدسوسة تحت رمال النسيان. ومن هنا تنبع تلك الكراهية العضالية، تلك النظرة المريضة التي لا تريد للآخر أن يكون جميلا لأنه يذكّرها بقبحها. لكنّ العلاج النفسي لهذه الحالة -كما وصفته النشرة الدوائية الساخرة- ليس في التشنّج والاتهام، بل في “التحاميل الوطنية”: أن يقبل هذا الجار نفسه كما هو، أن يرى في المغرب قدوة لا غريما، أن يعترف بأن الجغرافيا ليست قدرا بل بداية طريق. فعندما يعضّ الأفعى ذيلها، إنها تلتهم ذاتها، وعندما يحقد الجار على جاره، إنه يلتهم مستقبله.

وكما علّمنا الأطباء السويسريون أن معظم لدغات الأفاعي غير قاتلة وأن الخطر الأكبر في ردود الفعل التحسسية، نعلّم العالم أن خلافات المغرب مع جاره ليست قاتلة، وأنّ الخطر الأكبر هو في تحسّس هذا الجار من كلّ شيء، في أن يرى في كلّ خطوة مغربية مؤامرة، وفي كلّ نجاح مغربي تحدّيا. المغرب يمدّ يده دوما، كما مدّها من قبل في ليالي الوساطات والمصالحات. يمدّ يده، لا ليلدغ، بل ليصافح. لكنّ اليد الأخرى، إذا كانت مرتعشة من الحقد، لا تستطيع المصافحة. إنها تظلّ ترتجف، كأفعى في ليلة شتاء، تحسب أنّ الدفء قادم من عضّ الآخرين، غافلة عن أنّ الدفء الحقيقي يأتي من احتضان الذات أولا. ليعلم كلّ حاسد، وليعلم كلّ جار ضالّ، أن المغرب لا يلدغ مرّتين، وأن سمومكم تتبخّر بمجرّد أن تلامس وهج شمسه. ليغضبوا كما يشاءون، وليموتوا بغيظهم كما يحلو لهم، فإنّ الله مع الصابرين، وإنّ النصر حليف من يزرع السلام ويسقي المحبّة.

فلنردّد كلمة الحقّ التي لا تردّ: “إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده.ولنذكّر لكلّ جار بأن الجمال لا يحسد، بل يحتذى. فالمغرب، بعونه ثمّ بعزيمته، يظلّ شامخا كالأطلس، جريئا كالنسر، رحيبا كالصحراء. وأمّا الحاقدون، فكالأفاعي التي تزحف في الظلال، لا تترك خلفها غير أثر سمّها الذي لا يلبث أن  يتبخّر في شمس العظمة المغربية.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “في سموم القلوب ومقارعة الأقدار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *