المغرب وإسبانيا: الجغرافيا والتاريخ أقوى من العاصفة
بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
ثمة لحظات في تاريخ العلاقات الدولية لا تعود فيها الحقيقة مجرد واقعة تبحث عن شهود، بل تتحوّل إلى ساحة صراع بين الروايات. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون أخطر ما يهدد الدول هو الحدث نفسه، وإنّما أن تسبق الرواية التّحقيق، وأن يتحوّل الظن إلى قرينة، والقرينة إلى اتهام، ثم يصبح الاتهام مع الزمن وكأنّه حقيقة لا تحتاج إلى برهان. هذا هو الخطر الذي يحيط اليوم بملف سبتة. فمنذ الدّخول الجماعي غير المسبوق إلى المدينة يومي 30 و31 يوليوز، تحولت الواقعة من أزمة هجرة وأمن حدود إلى ملف جيوسياسي بالغ الحساسية بين المغرب وإسبانيا. ومع دخول القضاء الإسباني وأجهزة الأمن والاستخبارات والإعلام والفاعلين السياسيين على الخط، بدأت تظهر روايات متعددة، بعضها يحمّل شبكات التواصل الاجتماعي المسؤولية، وبعضها يشير إلى الجزائر، وبعضها يتحدث عن تقصير مغربي، فيما ذهبت روايات أحدث إلى الحديث عن «قطاع من المخزن» باعتباره الجهة التي كان يمكن أن تكون قد أدارت العملية. لكن بين كل هذه الروايات توجد كلمة واحدة ينبغي ألا تضيع: الدليل.
انقلاب الرواية أم تطور في التحقيق؟
يحتل الإسباني خوسيه ماريا «تشيما» خيل غاري موقعا خاصا في هذه القصة، ليس فقط لأنّه ظهر في وسائل الإعلام الإسبانية باعتباره محللا في شؤون الأمن والإرهاب، وإنّما لأن مساره السابق يجعله شخصية يصعب اختزالها في صورة «خبير معاد للمغرب». فالسجل العلني للرجل يثبت أنّه دافع منذ سنوات عن الموقف المغربي في قضية الصحراء الغربية؛ فقد تحدث أمام اللجنة الرابعة للأمم المتحدة مؤيدا المقترح المغربي للحكم الذاتي، كما ارتبط اسمه بأعمال وندوات تناولت الصحراء من منظور قريب من الرواية المغربية. ومن هنا تأتي أهمية التحول الحالي. فالتقارير الأولى التي نُسبت إليه في أعقاب أزمة سبتة ركزت على النشاط الرقمي، وعلى أرقام هاتفية مرتبطة بمجموعات تحرض على العبور، بعضها يحمل بادئات جزائرية. غير أن هذا المسار تعرض منذ البداية لمشكلة منهجية: فالتحقق المستقل أشار إلى أنّ التقرير لم يكن تقريرا صادرا عن جهاز استخبارات إسباني، وإنّما دراسة صادرة عن محلّل خاص. ثم جاءت التقارير اللاحقة لتغيّر مركز الثقل.
ففي تقريره المنشور في سبتمبر، يتحدث خيل عن مسؤولية «قطاع من المخزن» في تنظيم أو ضبط جزء من مسار الأزمة. بينما تناولت قناة Antena 3 تقريره باعتباره تحليلا استخباراتيا يخلص إلى أن الحكومة المغربية كانت تعلم بما سيحدث ولم تتخذ الإجراءات الكافية لمنعه. وهنا بالضبط ينبغي أن نتوقف كصحافة وقراء معا. تغير الفرضية لا يثبت الفرضية الجديدة. فالانتقال من اتهام الجزائر إلى الاشتباه في أجهزة أو دوائر مغربية لا يمنح الرواية الثانية تلقائيا درجة أعلى من اليقين. إنّه، في أحسن الأحوال، انتقال من فرضية إلى فرضية أخرى تحتاج بدورها إلى أدلّة قابلة للفحص.
ماذا تقول الوثائق الإسبانية فعلا؟
هذه النقطة حاسمة. التقرير الذي أعده مركز الهجرة والحدود الوطني التابع للشرطة الوطنية الإسبانية، والمعروف بـCENIF، والذي وصل إلى قاضية المحكمة الوطنية ماريا تاردون، يصف عملية العبور بأنّها لم تكن مجرد انفجار عفوي. ويتحدث عن دور أساسي لشبكات التواصل، وعن مراحل من التعبئة الرقمية والتنسيق، كما أشار إلى عناصر من قوات الأمن المغربية، بزي رسمي ومدني، قاموا ـ بحسب ما ورد في التقارير الصحفية عن الوثيقة ـ بتوجيه بعض الأشخاص نحو نقاط العبور. لكن هناك فارقا هائلا بين قول: «حدث تساهل أو توجيه من عناصر أمنية على الأرض» وبين القول: «الحكومة المغربية خططت للعملية». وفارق أكبر بين ذلك وبين القول: «فؤاد علي الهمة هو المسؤول السياسي عن العملية». الشرطة الإسبانية نفسها أوضحت أن التقرير لا ينسب إلى المغرب، كدولة أو حكومة، التخطيط والتنفيذ بصورة مباشرة، وأن تحديد صاحب القرار أو «العقل المدبر» لم يحسم بعد. وهذه ليست مسألة لغوية. إنّها جوهر المسألة القانونية والسياسية. ففي الدولة الحديثة، لا تكفي معرفة أن موظفا أو عنصرا أمنيا تصرف بطريقة معينة لإثبات أنّ القرار صدر من أعلى هرم السلطة. وإلا أصبح كل خطأ ميداني مؤامرة مركزية، وكل تقصير إداري أمرا سياسيا، وكل صمت مؤسسة دليلا على وجود غرفة عمليات سرية. وهذا بالضبط هو المنحدر الذي ينبغي للإعلام الدولي أن يتجنبه.
الهمّة: الإسم الذي يسبق الدليل
أصبح اسم فؤاد علي الهمة يتكرر في الروايات الإسبانية المتعلقة بسبتة. كما قدمت بعض المصادر الصحفية الإسبانية الرجل باعتباره الشخصية التي يمكن أن تكون وراء العملية، وربطت ذلك بصراع مزعوم داخل دوائر السلطة المغربية. كما أنّ جمعية Hazte Oír تقدمت فعلا بشكوى أمام المحكمة الوطنية الإسبانية تضمنت اسم الهمة وطالبت بالتحقيق في احتمال وجود مسؤولين مغاربة وراء ما حدث. لكن ينبغي هنا الفصل بين ثلاثة أشياء كثيرا ما تختلط في التداول الإعلامي: وجود شكوى قضائية، ووجود تحقيق قضائي، وثبوت المسؤولية. الأوّل واقعة. والثّاني إجراء. أما الثّالث فهو نتيجة لا تنتج إلا عن تحقيق وأدلة وقرار قضائي. وهذا التمييز البسيط غائب أحيانا عن التغطية الإعلامية التي تجعل مجرد ورود اسم شخصية سياسية في شكوى بمثابة حكم مسبق عليها. والأخطر أن اسم الهمة، بحمولته السياسية داخل النظام المغربي، أصبح يؤدي وظيفة سردية أكبر من حجم الأدلّة المنشورة حوله: فإذا كان الرجل قريبا من مركز القرار، يصبح ـ في منطق الرواية ـ مرشحا تلقائيا لكل قرار غامض. وهذه ليست منهجية استخباراتية؛ إنها أحيانا مجرد بلاغة سياسية متنكرة في هيئة تحليل أمني.
المغرب بين قرينة الاتهام وقرينة البراءة
المغرب ليس بحاجة إلى أن يثبت براءته من كل رواية تظهر في صحيفة أجنبية. هذه قاعدة أساسية في العلاقات بين الدول. الدولة لا تحاكم نفسها أمام عناوين الصحف، ولا تصدر أحكاما على ذاتها استنادا إلى تقارير تحليلية غير ملزمة، ولا ينبغي أن تتحول الدبلوماسية إلى غرفة صدى لكل تسريب. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الأزمة أصبحت ذات أثر استراتيجي حقيقي. فالمحكمة الوطنية الإسبانية تواصل التحقيق، والقاضية ماريا تاردون طلبت تحديد هوية عناصر مغربية قالت التقارير إنهم ظهروا في محيط الأحداث، إضافة إلى محاولة إعادة بناء سلسلة القيادة العملياتية في منطقة الفنيدق خلال أيام الأزمة. كما أن أجهزة الأمن الإسبانية كانت قد رصدت قبل 30 يوليوز مؤشرات على احتمال حدوث دخول جماعي، وهو ما كشفت عنه لاحقا الوثائق التي رفعت عنها السرية. لكن هذه الحقيقة لا تقود تلقائيا إلى النتيجة التي يرغب فيها خصوم المغرب. إنّها تقود إلى شيء أكثر تواضعا وأكثر خطورة في الوقت نفسه: كانت هناك أزمة متوقعة جزئيا، ولم يكن حجمها متوقعا على النحو الذي وقع، وكانت هناك مؤشرات على نشاط منظم عبر شبكات التواصل، وكانت هناك أسئلة جدية حول سلوك بعض عناصر الأمن المغربي، لكن سلسلة القرار السياسي النهائية لم تثبت علنا حتى الآن. هذه هي المنطقة التي ينبغي أن يبقى فيها التحليل الرصين.
مدريد بين البراغماتية واللغة السيادية
المفارقة الإسبانية أكثر تعقيدا من مجرد خلاف مع المغرب. فمدريد تحتاج إلى الرباط في الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والتعاون الإقليمي، وفي الوقت ذاته تخضع في الداخل لضغوط سياسية هائلة كلما تعلق الأمر بسبتة ومليلية. وقد انعكس هذا التناقض في تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز. ففي بداية سبتمبر، ظل موقف الحكومة الإسبانية المعلن أنّه لا توجد أدلّة تثبت مسؤولية المغرب عن التخطيط للعملية. لكن في 22 شتنبر، قال سانشيز إن مراقبة المغرب لحدوده «فشلت» خلال الأزمة، وإن مدريد طلبت من الرباط توضيحات بشأن ما حدث. وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الأزمة إثارة للاهتمام: إسبانيا تحاول أن تقول في آن واحد إن المغرب شريك استراتيجي موثوق، وإنّ الرقابة المغربية على الحدود أخفقت في لحظة حاسمة، وإنّها لا تملك دليلا صلبا على قرار مغربي بتدبير العملية. هذه ليست بالضرورة «ازدواجية» بالمعنى الأخلاقي؛ قد تكون ببساطة نتيجة طبيعية لدولة تحاول أن تفصل بين مسؤولية الدولة عن أمن حدودها وبين مسؤولية سياسية أو جنائية عن عملية منظمة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المنطقة الرمادية إلى سوق مفتوحة للتأويلات.
سبتة: مدينة صغيرة تحمل قرونا من التاريخ
ربما لا يمكن فهم هذه الأزمة دون العودة خطوة إلى الوراء. فسبتة ليست مجرد نقطة حدودية في شمال إفريقيا. إنها عقدة تاريخية تحمل في داخلها طبقات من الذاكرة المتوسطية: الفتح، والأندلس، والبرتغاليون، والإسبان، والدولة المغربية، والتحولات الاستعمارية، ثم نشوء النظام الدولي الحديث. ولهذا فإنّ كل أزمة تقع عند هذه البقعة الصغيرة تحمل معها تاريخا أكبر من جغرافيتها. وهنا يصبح استدعاء التاريخ سيفا ذا حدين. إسبانيا ترى سبتة جزءا من منظومتها الوطنية والأوروبية، والاتحاد الأوروبي يعاملها فعلا ضمن الحدود الخارجية الإسبانية والاتحاد الأوروبي؛ وقد أكدت المفوضية الأوروبية أن قواعد شانغن تنطبق على كامل الأراضي الإسبانية، بما فيها سبتة ومليلية، مع ترتيبات خاصة للحدود. في المقابل، المغرب لا يتعامل مع المسألة باعتبارها ملفا تقنيا محضا، بل يحتفظ بموقف تاريخي رافض للسيادة الإسبانية على المدينتين. وهكذا تظل سبتة، في الوعي السياسي للضفتين، مكانا تتقاطع فيه خرائط مختلفة: خريطة القانون الأوروبي، وخريطة الدولة الإسبانية، وخريطة الجغرافيا المغربية، وخريطة الذاكرة التاريخية. ولذلك فإن تحويل كل حادثة حدودية إلى معركة هوية قد يجعل الحل أصعب من المشكلة.
من ماكيافيلي إلى كارل بوبر: المؤامرة التي لا تثبت نفسها
الفلسفة السياسية تعلمنا شيئا شديد الأهمية هنا. ماكيافيلي فهم مبكرا أن السياسة لا تتحرك دائما في ضوء الشمس؛ أما كارل بوبر فذهب أبعد عندما حذر من «نظرية المؤامرة» بوصفها طريقة تجعل كل حدث قابلا للتفسير بواسطة فاعل خفي. وفي أزمة سبتة، نحن أمام إغراء هائل لصناعة مؤامرة مكتملة: الجزائر. المغرب. أجهزة استخبارات. شبكات اجتماعية. الهمة. أخنوش. سانشيز. الصحراء. سبتة. الاتحاد الأوروبي. كل قطعة يمكن وضعها في مكانها لتكوين لوحة تبدو متماسكة. لكن اللوحة المتماسكة ليست بالضرورة الحقيقة. وهنا يكمن الفرق بين التحليل الجيوسياسي والرواية الجيوسياسية. الأول يترك فراغات حين لا توجد أدلة. أما الثانية فتكره الفراغ، فتملؤه بالأسماء والنيات والسيناريوهات.
ما الذي يمكن قوله اليوم بثقة؟
يمكن القول إن أزمة سبتة كانت حدثا ضخما ومنظما بدرجات متفاوتة، وإن شبكات التواصل لعبت دورا أساسيا في التعبئة، وإن أجهزة الأمن الإسبانية كانت تملك مؤشرات سابقة على احتمال وقوع دخول جماعي، وإن وثائق إسبانية لاحقة أثارت أسئلة جدية حول سلوك عناصر أمن مغربية خلال الأزمة. ويمكن أيضا القول إن القضاء الإسباني لم يغلق الباب أمام فرضيات أكثر عمقا، بل واصل البحث في سلسلة القيادة والجهات التي قد تكون وجهت الأحداث على الأرض. لكن لا يمكن، استنادا إلى المواد العلنية المتاحة حتى الآن، القفز من هذه الوقائع إلى إثبات أن فؤاد علي الهمة أصدر أمرا بالعملية، أو أن الملكية المغربية اتخذت قرارا رسميا بتدبيرها، أو أن الحكومة المغربية باعتبارها مؤسسة سياسية كانت صاحبة الخطة. هذه استنتاجات تحتاج إلى أدلة لم تُعرض علنا بعد. وهنا تكمن مصلحة المغرب قبل أي طرف آخر. فالدفاع الأقوى عن دولة لا يكون بإنتاج رواية مضادة لكل رواية، وإنّما بالمطالبة بأن تخضع كل الروايات للمعيار نفسه. إذا كان تقرير خاص يمكنه اتهام دولة، فعليه أن يكشف منهجيته ومصادره. وإذا كان جهاز أمني يدعي وجود تخطيط، فعليه أن يقدم ما يستطيع تقديمه من أدلة للقضاء. وإذا كانت هناك اتهامات ضد مسؤول مغربي، فعلى القضاء أن يختبرها. وإذا ثبتت وقائع مخالفة، فالمسؤولية ينبغي أن تكون فردية ومؤسساتية وفق القانون، لا أن تتحول إلى وصمة جماعية على بلد بأكمله.
المغرب وإسبانيا: الجغرافيا أقوى من العاصفة
المفارقة الكبرى أن المغرب وإسبانيا محكومان بالجغرافيا قبل أن تحكمهما السياسة. لا تستطيع مدريد أن تنقل إفريقيا بعيدا عن مضيق جبل طارق. ولا يستطيع الرباط أن يمحو إسبانيا من الضفة الشمالية. بينهما تجارة، وهجرة، وأمن، وطاقة، وسياحة، واستثمارات، ومصالح استراتيجية، وتاريخ من التوتر والتعاون. ولذلك فإن تحويل سبتة إلى محكمة سياسية للعلاقات المغربية الإسبانية قد يكون أسهل إعلاميا من إصلاح العلاقة، لكنّه أكثر كلفة استراتيجيا. الملف يحتاج إلى تحقيق لا إلى انتقام سردي. وإلى شفافية لا إلى تسريبات. وإلى قضاء لا إلى محاكم إعلامية. وإلى دبلوماسية لا تجعل كل تصريح أجنبي سببا لأزمة جديدة.
إن الحقيقة التي قد تكون الأكثر إزعاجا لكل الأطراف هي أن أزمة سبتة ربما كانت أكبر من أن تختصر في اسم رجل، وأعقد من أن تفسرها عاصمة واحدة، وأخطر من أن تترك للخبراء التلفزيونيين وحدهم. لقد دخل آلاف البشر إلى مدينة صغيرة في طرف المتوسط، لكن ما دخل معها كان أكبر بكثير: أزمة ثقة، وأزمة حدود، وأزمة استخبارات، وأزمة روايات، وأزمة في قدرة الدول على التمييز بين ما تعرفه وما تظنه. ولهذا فإن المغرب لا يحتاج إلى رفع صوته في وهج هاته العاصفة بقدر حاجته إلى رفع سقف البرهان.إنّه دولة تستند إلى التاريخ ولا تخشى التحقيق. ودولة تثق في موقفها ولا تحتاج إلى اختراع خصم. فالحقيقة لا تحتاج إلى جنسية. إنها تحتاج فقط إلى دليل.
