بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية-باريس
إنّ الدول لا تبني قدراتها العسكرية فقط لخوض الحروب، وإنما لردعها، ولذلك تظل بعض الخيارات حاضرة في الحسابات الاستراتيجية من دون أن تتحول إلى قرارات تنفيذية. الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل يقدم اليوم أحد أوضح النماذج لما يمكن تسميته بـ”عقيدة الأمر الواقع”. فلكل طرف مجموعة من الخيارات القصوى التي تبدو جاهزة من الناحية العملياتية، لكنها تظل رهينة اعتبارات سياسية واستراتيجية تجعل اللجوء إليها أكثر كلفة من الامتناع عنها.
على الجانب الإيراني، يبرز احتمال الإعلان عن وضعية “دولة العتبة النووية”، أي الإقرار بامتلاك القدرة التقنية على إنتاج سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة، من دون الانتقال إلى تجربة نووية أو إعلان امتلاك القنبلة فعليا. مثل هذه الخطوة، إن حدثت، لن تغير التوازن العسكري فحسب، بل ستغير قواعد الاشتباك السياسية أيضا، لأنها قد تدفع إسرائيل إلى اعتبار أن الخط الأحمر قد تم تجاوزه، بما يفتح الباب أمام مواجهة واسعة لا ترغب فيها جميع الأطراف في الظروف الراهنة. ويبرز أيضا سيناريو استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط اقتصادية من خلال تشديد إجراءات التفتيش أو إبطاء حركة بعض الناقلات، من دون الوصول إلى إغلاق المضيق رسميا. هذا النوع من الإجراءات، إن وقع، قد يرفع كلفة التجارة العالمية وأسعار الطاقة بصورة كبيرة، لكنه في الوقت نفسه سيعرض إيران لضغوط دولية غير مسبوقة، ليس فقط من الولايات المتحدة وشركائها، بل أيضا من القوى الاقتصادية الكبرى التي تعتمد على استقرار تدفقات النفط.
أما على الجانب الإسرائيلي، فتتداول الأوساط الاستراتيجية منذ سنوات فرضيات تتعلق بفرض واقع عسكري جديد في الأجواء السورية عبر توسيع حرية العمل الجوي واستهداف البنية العسكرية المرتبطة بإيران بصورة أكثر علنية. ورغم ما تمتلكه إسرائيل من قدرات تكنولوجية واستخباراتية متقدمة، فإن مثل هذا الخيار يحمل مخاطر توسيع دائرة الاشتباك مع قوى إقليمية ودولية حاضرة في الساحة السورية، الأمر الذي يجعل كلفته السياسية مرتفعة. ويطرح بعض المحللين أيضا احتمال تنفيذ عمليات متزامنة تستهدف قيادات ميدانية بارزة مرتبطة بفيلق القدس خارج الأراضي الإيرانية، في إطار محاولة لإضعاف شبكة النفوذ الإقليمي الإيرانية. غير أن مثل هذا السيناريو قد يدفع طهران إلى إعادة تعريف قواعد الرد، والانتقال من الاعتماد على الحلفاء والوكلاء إلى رد مباشر، وهو تحول قد ينقل المنطقة من حرب الظل إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

القاسم المشترك بين هذه السيناريوهات أنها لا تمثل خططا معلنة بقدر ما تعكس خيارات كامنة في حسابات الردع. وهي أوراق يعرف كل طرف أنها موجودة لدى خصمه، لكن الجميع يدرك أيضا أن استخدامها قد يغير طبيعة الصراع بالكامل. فالانتقال من إدارة التوتر إلى كسر قواعده لا يعني تحقيق مكسب تكتيكي فحسب، بل يعني أيضا الدخول في مرحلة يصعب التحكم في مآلاتها. وفي قلب هذه المعادلة تبقى الولايات المتحدة الفاعل الأكثر تأثيرا في ضبط إيقاع التصعيد. فمن جهة، تسعى إلى الحفاظ على أمن إسرائيل ومنع أي تحول نوعي في البرنامج النووي الإيراني، ومن جهة أخرى، تدرك أن الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة ستكون له تداعيات استراتيجية واقتصادية تتجاوز الشرق الأوسط وتمتد إلى النظام الدولي بأكمله. لذلك تركز الدبلوماسية الأمريكية، المعلنة وغير المعلنة، على إبقاء جميع الأطراف دون عتبة الانفجار، حتى وإن استمر التصعيد المحسوب.
لهذا تبدو المنطقة وكأنها تعيش حالة توازن دقيقة تقوم على الردع المتبادل أكثر مما تقوم على التسويات السياسية. فإيران تحتفظ بأوراقها، وإسرائيل تحتفظ بخياراتها، والولايات المتحدة تعمل على منع أي طرف من تحويل تلك الأوراق إلى واقع ميداني. وفي لغة الشطرنج، تبدو هذه الخيارات أشبه بالتضحية بالملكة. قد تمنح صاحبها أفضلية مؤقتة، لكنها تفتح في المقابل الباب أمام مباراة مختلفة تماما، تتلاشى فيها قواعد إدارة الأزمة لتحل محلها قواعد الحرب الشاملة. ولذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا، في المدى المنظور، ليس اندفاع الأطراف نحو المواجهة، وإنما استمرار سياسة التجميد المدروس؛ حيث تبقى القطع مصطفة فوق الرقعة، والقدرات جاهزة، والخطوط الحمراء واضحة، بينما يظل القرار الأصعب هو الامتناع عن الحركة، لأن الحفاظ على الردع أصبح، في هذه المرحلة، أكثر قيمة من اختبار نتائجه.
📲 Partager sur WhatsApp