ما بعد الميتافيزيقا أم استعادتها؟

محمد طواع يقرأ هايدغر بوصفه فيلسوفا لمستقبل الإنسان: قراءة نقدية في كتاب: “هيدجر والميتافيزيقا: مقاربة لتربة التأويل التقني للفكر”

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليست الكتب الفلسفية جميعها تقرأ بالطريقة نفسها. فهناك كتب تشرح الفلاسفة، وهناك كتب تتحاور معهم، وهناك – وهو الأندر – كتب تجعل الفيلسوف نفسه يبدو وكأنه يتكلم من جديد بلغة أخرى، وفي أفق آخر. ينتمي كتاب «هيدجر والميتافيزيقا: مقاربة لتربة التأويل التقني للفكر» للدكتور محمد طواع إلى هذا الصنف الأخير؛ فهو لا يكتفي بعرض أفكار مارتن هايدغر، ولا يحولها إلى مادة تعليمية أو تاريخية، بل يحاول إعادة تشغيلها داخل سؤال معاصر: ماذا يعني أن نفكر في زمن أصبحت فيه التقنية أفقا شاملا للوجود؟

هذه ليست قراءة مدرسية لهايدغر، بل محاولة لبناء فضاء تأويلي يجعل من الميتافيزيقا سؤالا حيا، لا أثرًا من آثار تاريخ الفلسفة. منذ الصفحات الأولى، يتجنب المؤلف الوقوع في أحد أكثر المزالق شيوعا في الكتابة العربية عن هايدغر: اختزال مشروعه في مجموعة من المصطلحات الصعبة. لا نجد هنا استعراضا لمفاهيم من قبيل “الدازاين” أو “الوجود-في-العالم” بوصفها شعارات فلسفية، بل نجد محاولة للكشف عن البنية الداخلية التي تنتظم هذه المفاهيم جميعا: سؤال الوجود بوصفه السؤال الذي نسيه الفكر الغربي وهو يراكم معارفه عن الموجودات. هذه هي نقطة قوة الكتاب الأولى. فمحمد طواع لا يبدأ من هايدغر بوصفه شخصية في تاريخ الفلسفة، بل من الأزمة التي جعلت هايدغر ممكنا. ولذلك تصبح الميتافيزيقا في هذا العمل ليست علما بما وراء الطبيعة، وإنما تاريخا للطريقة التي فهم بها الإنسان نفسه والعالم عبر القرون.

لكن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في وفائه لهايدغر وحده، بل في المسافة التأويلية التي يخلقها معه. فالمؤلف لا يكرر لغة الفيلسوف الألماني، وإنما يعيد تركيبها داخل أفق عربي معاصر، حيث تتقاطع أسئلة التقنية، واللغة، والهوية، والإقامة، والإنسان. ومن هنا يكتسب النص فرادته؛ فهو يقرأ هايدغر من الداخل، لكنه لا يذوب فيه. من أبرز إنجازات الكتاب أيضا أنه يفهم التقنية بالطريقة التي أرادها هايدغر نفسه: ليست التقنية أجهزة وآلات، بل نمطا من الانكشاف. العالم الحديث لا يرى النهر نهرا، بل مصدرًا للطاقة؛ ولا يرى الغابة غابة، بل احتياطيا من الأخشاب؛ ولا يرى الإنسان إنسانا، بل “موردا بشريا”. يعرض محمد طواع هذا التحول بلغة دقيقة، ويكشف أن الخطر الحقيقي ليس في الآلة، وإنما في تحوّل كل موجود إلى موضوع للاستثمار والحساب.

هنا يقترب الكتاب من القضايا التي تشغل الفكر العالمي اليوم: الذكاء الاصطناعي، ورأسمالية البيانات، وهيمنة المنطق الأداتي، وإن لم يتناولها مباشرة. وهذه إحدى مزاياه؛ فهو يقدم إطارا فلسفيا يسمح للقارئ بأن يفكر في هذه الظواهر دون أن يحبس نفسه في راهنيتها.ومن اللافت كذلك أن المؤلف يمنح اللغة مكانة محورية. فاللغة ليست لديه أداة للتعبير، بل المجال الذي ينكشف فيه العالم. هذا الوفاء للمنعطف اللغوي في فكر هايدغر يمنح الكتاب بعدًا يتجاوز الفلسفة النظرية إلى الشعر والتأويل. وليس من المصادفة أن يكون محمد طواع قد خصص كتابا آخر لـ”شعرية هايدغر”، فالعلاقة بين الوجود واللغة تشكل خيطا ناظما لمشروعه الفكري.

ومع ذلك، فإن القراءة النقدية تقتضي الإشارة إلى أن كثافة الكتاب المفهومية تجعل قراءته تتطلب استعدادا فلسفيا. فالمؤلف لا يقدم تنازلات للقارئ غير المتخصص، ولا يسعى إلى تبسيط الأفكار على حساب دقتها. وهذا خيار مشروع، لكنه يجعل الكتاب أقرب إلى الدراسات الأكاديمية منه إلى الكتابة الفكرية الموجهة إلى جمهور واسع. كما أن اعتماد المؤلف على الأفق الهايدغري يطرح سؤالا فلسفيا لا يمكن تجاوزه: هل تكفي الميتافيزيقا والتقنية لتفسير أزمات الإنسان المعاصر؟ أم أن الاقتصاد، والسياسة، والتاريخ، والاستعمار، والعلاقات الاجتماعية، تفرض بدورها أسئلة لا يمكن ردّها إلى سؤال الوجود وحده؟ لا يضعف هذا السؤال قيمة الكتاب، بل يفتح بابا لحوار أوسع مع تقاليد فلسفية أخرى.

ما يميز هذا العمل أنه لا يدافع عن هايدغر ولا يعتذر له، بل يستخدمه أداة للتفكير. وهذه سمة الباحث الحقيقي: أن يجعل النصوص الكلاسيكية قابلة للحياة من جديد، لا أن يحولها إلى آثار مقدسة. إن مشروع محمد طواع، كما يتجلى في هذا الكتاب، يلفت الانتباه إلى حضور فلسفي عربي يسعى إلى إنتاج قراءة أصيلة للفكر القاري الحديث، دون الاكتفاء بالنقل أو الشرح. ومن المبكر إصدار حكم شامل على مجمل مشروعه انطلاقا من كتاب واحد، لكن من المشروع القول إن هذا العمل يكشف عن باحث يمتلك لغة فلسفية واضحة، وحسا تأويليا، واهتماما ببناء أسئلة أكثر من تقديم أجوبة جاهزة. في زمن يزداد فيه العالم سرعة وضجيجا، يذكرنا هذا الكتاب بأن الفلسفة تبدأ حين نتوقف عن السؤال: “كيف نستعمل الأشياء؟” لنعود إلى السؤال الأصعب: “كيف ينكشف لنا الوجود أصلا؟” وهذا، ربما، هو السبب الذي يجعل «هيدجر والميتافيزيقا» أكثر من مجرد دراسة عن فيلسوف ألماني؛ إنه دعوة إلى استعادة التفكير نفسه.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “ما بعد الميتافيزيقا أم استعادتها؟

  1. مقال أنيق، قبض على ومضات من هذا البحث. ولاستئناف التفكير، وكما ورد في مقدمة الطبعة الثانية، ليست الميتافيزيقا مجرد مبحث نظري فلسفي، بال هي أكثر من كونها كذالك: الإنسان في جوهر ماهيته كاءن ميتا- فيزيقي بامتياز: اللغة والمقدس والأسطورة وأساليب الحياة والرمز والألوان والوشم والشعر والأهازيج والموسيقى والكتابة والمعرفة والفن …عالم لا-مادي، بمعنى ميتا- فيزيقي، لابد منه للإنسان اينما كان فوق الأرض، لكي يعيش العالم وينفتح على أشياءه. من هذا العالم ينظم كيفية إقامته على الأرض.
    غير أن الوجه الصارخ للميتا- فيزيقا المعاصرة هي التقنية، أي ذلك الفكر الذي اجتت الإنسان من جذوره المرتبطة بنظام الأرض، إلى نظام جديد ونظام خارج الأرض، إنه فضاء الرقمي، الفضاء التي تتحكم فيه شركات الميتا. وبما أن أساس التقنية هو الفكر الرياضي، وبما أن الرياضيات علم في قمة التجريد، في أساس لا مادي لمختلف الأشياء الإستعمالية لما يواجه الفكر لتقني اليوم…..من هنا نقول الميتافيزيقا ليست قضية نظرية، بل هي قضية أنطولوجية تتعلق بنمط رؤيتنا للأشياء وأمور الحياة اليوم: الوفرة في الإنتاج ودمح البشر ضمن منظومة الاستهلاك وضجيج شلال المعلومات، والسرعة المتسارعة في كل شئ….لنفكر الميتافيزيقا من داخل هذا الأفق.

    1. هذا الطرح يوسع مفهوم الميتافيزيقا من مجرد التأمل في ما وراء الطبيعة إلى كل ما يمنح الإنسان معنى ويشكل علاقته بالعالم. لكن دكتورنا, إذا اعتبرنا اللغة والفن والأسطورة والرمز كلها ميتافيزيقا، فإن المفهوم يصبح واسعا جدا إلى درجة قد يفقد خصوصيته الفلسفية.أما التقنية، فمن الصحيح أنها تعيد تشكيل علاقتنا بالأرض والزمن والآخرين، لكن هل هي قطيعة مع الجذور أم مجرد تحول في طريقة إقامة الإنسان في العالم؟ فالفضاء الرقمي نفسه ينتج أساطيره ورموزه ومقدساته الجديدة، ويخلق أشكالًا جديدة من الانتماء والمعنى، أي أنه لا يلغي البعد الميتافيزيقي بل يعيد إنتاجه بصيغ مختلفة. لذلك ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: هل انتهت الميتافيزيقا؟ بل: أي ميتافيزيقا تصنعها التقنية، وكيف تعيد تشكيل الإنسان ورؤيته للعالم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *