بقلم زكية لعروسي, باريس
من كان يتخيل أن أكثر المعارك الفلسفية تعقيدا في القرن الحادي والعشرين لن تخاض حول النفط، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا الأسلحة النووية، بل حول إصبع طفل يمرّر شاشة هاتف؟ في الظاهر، يبدو الأمر بسيطا: دولة تريد حماية الأطفال من شبكات التواصل الاجتماعي، وسلطة أوروبية تقول إن القانون المقترح لا ينسجم بالكامل مع الإطار القانوني الأوروبي. خبر يمر سريعا بين آلاف الأخبار اليومية. لكن تحت هذا السطح الهادئ، يتحرك زلزال فكري لا يقل عمقا عن الثورة الصناعية أو اختراع الطباعة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل يمنع الأطفال من استخدام المنصات الرقمية؟ السؤال الحقيقي هو: من يملك حق تعريف الطفولة أصلا؟ هل الطفل كائن بيولوجي تحدد الدولة عمر نضجه بالأرقام؟ أم أنه مواطن رقمي يولد منذ لحظة التقاطه أول صورة، ويبدأ تشكيل وعيه قبل أن يتعلم كتابة اسمه؟
لقد تغير العالم بسرعة مذهلة، بينما بقي القانون يمشي على عكاز القرن العشرين. القانون ما زال يؤمن بالحدود، أما الإنترنت فقد ألغى الحدود. الدولة ما زالت تعدّ المواطنين، بينما المنصات تعدّ البيانات. المدرسة ما زالت تشرح الدرس، بينما الخوارزمية تشرح العالم كله خلال خمس عشرة ثانية. هنا تبدأ المأساة. لم تعد السلطة السياسية هي التي تربي الأطفال وحدها. لم تعد الأسرة وحدها تصنع الضمير. ولم تعد المدرسة وحدها تحتكر المعرفة. لقد ظهر معلم جديد لا يحمل شهادة، ولا يخضع لرقابة، ولا ينام، ولا ينسى، ولا يتعب. اسمه: الخوارزمية. إنها الكائن الأكثر نفوذا الذي اخترعته البشرية ثم فقدت القدرة على السيطرة عليه. الأخطر أن هذا الكائن لا يكره الأطفال، ولا يحبهم. إنه لا يعرف الرحمة ولا القسوة. يعرف شيئا واحدا فقط: إبقاء العين مفتوحة أطول وقت ممكن. كل ثانية إضافية هي ربح. كل نقرة هي سلطة. كل انفعال هو سلعة. فهل المشكلة في الطفل؟ أم في الاقتصاد الذي حوّل انتباه الطفل إلى منجم ذهب؟
حين تقرر دولة منع الشبكات الاجتماعية لمن هم دون الخامسة عشرة، فهي تعترف ضمنا بعجزها عن إصلاح المنصات، فتختار إبعاد الأطفال عنها. لكن هل يشبه ذلك علاج البحر بمنع الناس من السباحة؟ ماذا لو كانت المشكلة في تصميم المنصة نفسها؟ ماذا لو كانت المشكلة في اقتصاد يكافئ الإدمان أكثر مما يكافئ المعرفة؟ ماذا لو كان العالم قد بنى حضارة كاملة تقوم على بيع الانتباه، ثم فوجئ بأن الأطفال هم أول ضحاياها؟ هنا يصبح اعتراض المؤسسات الأوروبية أكثر تعقيدا من مجرد خلاف قانوني. إنه يعكس سؤالا أعمق: كيف يمكن لدولة منفردة أن تنظم فضاء لا يعترف بالدول أصلا؟

فالإنترنت لم يولد في الجغرافيا، بل في الرياضيات. والخوارزمية لا تسأل عن الحدود الوطنية. والمنصة لا ترى في الطفل الفرنسي أو الألماني أو العربي إلا ملفا رقميا يحمل بيانات قابلة للتحليل والاستثمار. وهنا تتكشف المفارقة الكبرى. لقد انتصرت أوروبا تاريخيا لفكرة حرية الفرد، حتى أصبحت هذه الحرية إحدى ركائز هويتها السياسية. لكنها تجد نفسها اليوم أمام سؤال مربك: ماذا لو أصبحت الحرية نفسها بابا لاستغلال الإنسان منذ طفولته؟ هل الحرية أن يدخل طفل في الثانية عشرة إلى فضاء صُمم علميا لاحتجاز انتباهه؟ أم أن الحرية الحقيقية تبدأ عندما يحمى من أدوات لا يملك بعد النضج الكافي لفهمها؟ ثم من قال إنّ سن الخامسة عشرة هو الحدّ الفاصل؟ لماذا ليس الرابعة عشرة؟ أو السّادسة عشرة؟ أو الثّالثة عشرة؟ هل النضج رقم في شهادة الميلاد، أم تجربة في الوعي؟
هذه الأسئلة تكشف هشاشة يقيننا الحديث. فنحن نحب الأرقام لأنها تمنحنا وهم السيطرة، بينما الإنسان ينمو على إيقاع أكثر تعقيدا من كل القوانين. ربما تكمن المشكلة الأكبر في أنّنا ما زلنا نتعامل مع شبكات التواصل بوصفها تطبيقات، بينما أصبحت في الحقيقة بنية تحتية للعقل الإنساني. لم تعد مجرد أدوات للتواصل؛ إنها مصانع للذاكرة، وأسواق للعواطف، وآلات لإعادة تشكيل الرغبات، ومختبرات تصنع التصورات عن الجمال والنجاح والخوف والحبّ والوطن. فإذا كان القرن الماضي قد شهد سباقا على احتلال الأرض، فإن هذا القرن يشهد سباقا على احتلال الانتباه. ومن يحتل انتباه الطفل اليوم، قد يحتل مستقبله غدا. لذلك، فإن القضية ليست معركة بين باريس وبروكسل، ولا بين الحكومات والشركات، بل بين حضارتين: حضارة ترى الإنسان مواطنا يجب حمايته، وأخرى تراه تدفّقا مستمرا من البيانات يمكن تحويله إلى قيمة اقتصادية. وربما لن يكون السؤال الذي سيطرحه المؤرخون بعد عقود: لماذا اختلفت فرنسا مع الاتحاد الأوروبي؟ بل سيكون سؤالا أكثر إيلاما: في أيّ لحظة أدركت البشرية أن أخطر ما يمكن أن يسرق من الطفل ليس وقته… بل قدرته على أن يبقى سيدا لعقله؟
📲 Partager sur WhatsApp