روسيا: عندما تصبح الحرب خط إنتاج

بقلم زكية لعروسي, باريس

توجد مصانع تعرف كيف تحول الرماد إلى سلعة، والدخان إلى فاتورة، والعقوبات إلى خطوط إنتاج جديدة. ويبدو أن روسيا، وهي تمشي فوق جليد التاريخ، لم تكتف بأن تجعل الحرب ميدانا للمدافع، بل حولتها، بحسب ما تداولته تقارير صحفية، إلى ورشة ميكانيكية ضخمة، حيث يمكن لسيارة ألمانية أن تولد خارج رحم أمها، وأن تحمل ملامح BMW من دون أن تمر على اعتراف BMW. مفارقة تصلح لأن يكتبها هيراقليطس لو عاد من نهره، أو يبتسم لها ديوجين وهو يجر برميله بين دبابات القرن الحادي والعشرين. الحرب هناك لا تنام. لكن المفكات لا تنام أيضا. المطارق لا تعرف الهدنة. والعمّال يدخلون المصنع كما يدخل الجنود الخنادق.الفرق الوحيد أن أحدهم يخرج بدبابة، والآخر يخرج بسيارة فاخرة.

قال العرب قديما: “الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.” لكن روسيا، في هذه الحكاية، تبدو وكأنها تقول: “إذا لم تستطع بيع الوقت… فاصنع منه محركا.” فالعقوبات الاقتصادية، في فلسفة السوق، ليست دائما أبوابا مغلقة. أحيانا تكون شبابيك سرية يدخل منها الابتكار، أو يدخل منها الالتفاف. ومن يقرأ تاريخ الاقتصاد، يعلم أن السوق يشبه الماء. إذا أغلقت أمامه نهرا، حفر مجرى آخر. أرسطو كان يعتقد أن الطبيعة تكره الفراغ. أما الاقتصاد فيكره التوقف. المصنع الذي يتوقف يموت. والآلة التي لا تدور تصدأ. ورأس المال الذي لا يتحرك يتحول إلى شاهد قبر. ولهذا، فإن الحرب نفسها أصبحت اليوم جزءا من دورة الإنتاج. إنها لا تستهلك الحديد فقط. بل تعيد توزيع الحديد. ولا تدمر المصانع فقط. بل تعلم مصانع أخرى كيف تعيش خارج الخرائط الرسمية.

ما أغرب هذا العصر. الألمان يصنعون فلسفة الجودة. والروس يصنعون فلسفة الاستمرار. والعالم كله يشتري الزمن بالتقسيط. في الأساطير اليونانية، كان سيزيف يحمل صخرته كل صباح، ثم تسقط كل مساء. أما الإنسان الحديث، فقد استبدل الصخرة بخط إنتاج. كل صباح يبدأ من جديد. ليس لأنّه يحب العمل. بل لأنّه يخاف الفراغ. فالفراغ هو العدو الحقيقي للرأسمالية. وليس الحرب. ومن يراقب هذه الظاهرة، يكتشف أن العالم لم يعد يعيش اقتصاد السلع، بل اقتصاد الوقت. المنتصر الحقيقي ليس من يملك المصنع. بل من يمنع المصنع من التوقف. ولذلك، حين انسحبت الشركات الغربية من روسيا بعد اندلاع الحرب، لم ينسحب الزمن معها. بقيت الآلات. وبقي العمال. وبقيت المخازن. وبقي السؤال الفلسفي الكبير: هل تتوقف الصناعة لأن الشعار غادر الجدار؟ أم لأن اليد التي تدير المفتاح توقفت؟

في الموروث العربي قيل: “شيء لاه في اللاهي، وشيء عايش في التلاهي.” وبينما كانت نشرات الأخبار تعد القذائف، كانت خطوط الإنتاج تعد البراغي. وبينما كان السياسيون يرسمون خرائط العقوبات، كان المهندسون يرسمون خرائط المحركات. كأن العالم انقسم إلى نصفين. نصف يكتب بيانات الحرب. ونصف يكتب كتيبات الصيانة. السخرية السوداء هنا ليست في السيارة. بل في الإنسان. فالإنسان الذي اخترع الفلسفة، هو نفسه الذي اخترع الصاروخ. والإنسان الذي كتب “الجمهورية” مع أفلاطون، هو نفسه الذي يكتب اليوم عقود بيع السلاح. والإنسان الذي حلم بمدينة فاضلة، صار يقيس الحضارة بعدد الشرائح الإلكترونية داخل لوحة القيادة. والأغرب من كل ذلك أن سيارة صنعت من بقايا زمن 2022، قد تباع على أنها ابنة 2026. كأن الزمن نفسه أصبح قطعة قابلة لإعادة التركيب. وكأن التاريخ لم يعد خطا مستقيما، بل مرآبا ضخما، تدخل إليه السنوات القديمة، فتخرج منه بأرقام جديدة. أليس هذا ما كان يسميه نيتشه “العود الأبدي”؟ لكنها هنا ليست عودة الأفكار. بل عودة قطع الغيار. ربما لهذا لن تنتهي الحروب سريعا. ليس لأن الكراهية كبيرة. بل لأن الاقتصاد تعلم كيف يتعايش معها. لقد أصبحت الحرب سوقا. وأصبحت العقوبات تجارة. وأصبحت الأزمة نفسها موردا من موارد الربح. إنها الرأسمالية حين ترتدي خوذة جندي، والبراغي حين تتحدث لغة الجغرافيا السياسية.

قد لا تكون الحكاية عن BMW ولا عن روسيا. بل عن الإنسان نفسه. ذلك الكائن الذي إذا أغلقت أمامه بابا، صنع نافذة. وإذا فقد اسما تجاريا، احتفظ بالآلة. وإذا اشتعلت الحرب، لم ينس أن يدير المحرك. لأن الزمن، في النهاية، لا ينتظر أحدا. ومن يضيع وقته في البكاء على الركام، يكتشف أن غيره كان، في الجهة الأخرى من العالم، يحول الركام نفسه إلى مصنع، ويبيع المستقبل من معدن الأمس. وهكذا، يبدو أن القرن الحادي والعشرين لا يكتب تاريخه بالحبر، ولا بالدم وحده، بل يكتبه أيضا بمفتاح ربط، وخط إنتاج، وساعة لا تكف عن الدوران، وكأنها تهمس للبشرية كلها: من توقف عن صناعة الغد، صنع له غيره مستقبلا لا يملك فيه إلا أن يكون مستهلكا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *