الحرب النفسية: معركة الإدراك قبل معركة السلاح

بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية-باريس

إنّ العلاقات الدولية تكون بحجم القوة التي تمارس خارج قاعات التفاوض. وبين الولايات المتحدة وإيران، لم تكن الدبلوماسية يوما بديلا عن الصراع، وإنما إحدى ساحاته الأكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية والرسائل الاستخباراتية والحرب النفسية في معركة طويلة لإعادة تشكيل ميزان القوى. ومنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، تحولت المفاوضات إلى عملية إدارة للأزمة أكثر من كونها مسارًا لحلها. فكل طرف يسعى إلى تحسين موقعه التفاوضي قبل تقديم أي تنازل، معتمدا على أدوات الردع والخداع الاستراتيجي وإدارة الوقت.

الولايات المتحدة: دبلوماسية القوة والضغط المتدرج

اعتمدت واشنطن خلال السنوات الأخيرة على ما يمكن وصفه باستراتيجية “الضغط من أجل التفاوض”، وهي مقاربة تجمع بين العقوبات الاقتصادية والتهديد العسكري المحدود، مع الحرص على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. فالوجود العسكري الأمريكي المتكرر في الخليج، وإرسال حاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية، شكّل رسائل ردع سياسية وعسكرية أكثر من كونه مقدمة لعمل عسكري مباشر. وقد اعتبر العديد من الباحثين في الدراسات الاستراتيجية أن هذه التحركات تدخل ضمن مفهوم الدبلوماسية القسرية، التي تهدف إلى دفع الخصم لإعادة حساباته دون اللجوء إلى الحرب. وفي الوقت ذاته، استمرت العقوبات الاقتصادية في التوسع، حتى أثناء فترات الحوار غير المباشر، بما يعكس حرص واشنطن على الاحتفاظ بأوراق ضغط إضافية خلال أي مسار تفاوضي.

إيران: التفاوض مع الحفاظ على هامش المناورة

في المقابل، تنظر طهران إلى الزمن باعتباره أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية. فالمفاوضات، وفق هذا المنظور، ليست هدفا بحد ذاتها، وإنما وسيلة لإدارة الضغوط وكسب الوقت، مع السعي للحفاظ على عناصر القوة الوطنية. وتتهم الدول الغربية إيران بعدم تقديم صورة كاملة عن بعض أنشطتها النووية، بينما تؤكد طهران أن برنامجها ذو طبيعة سلمية وأنها تتحرك ضمن حقوقها المنصوص عليها في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وقد شكّلت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن مستويات التخصيب وبعض المواقع غير المعلنة محورا دائما للخلاف بين الطرفين. وبالتوازي مع المسار النووي، واصلت إيران تعزيز قدراتها الصاروخية وتطوير منظوماتها الدفاعية، كما عملت على توسيع صادراتها النفطية رغم العقوبات، مستفيدة من شبكات تجارية وبحرية معقدة مكنتها من تخفيف جزء من الضغوط الاقتصادية.

الحرب النفسية: معركة الإدراك قبل معركة السلاح

لا يقتصر الصراع الأمريكي الإيراني على الاقتصاد أو البرنامج النووي، بل يمتد إلى المجال الإعلامي والنفسي. فالولايات المتحدة تعتمد على تسريبات مدروسة، ورسائل ردع عسكرية، وتصريحات محسوبة لإيصال انطباع بوجود خيارات مفتوحة، بما يرفع تكلفة أي تصعيد إيراني. في المقابل، تستخدم إيران خطابًا إعلاميًا يركز على إبراز قدراتها العسكرية، من خلال الكشف عن قواعد ومنشآت صاروخية وإجراء مناورات واسعة النطاق، بهدف تعزيز الردع وإظهار الجاهزية. وبين الرسائل الأمريكية والعروض الإيرانية، يصبح التأثير في إدراك الخصم جزءا أساسيا من معادلة القوة.

أزمة الثقة: العقدة المركزية

تكمن المشكلة الجوهرية في أن كلا من واشنطن وطهران ينطلق من افتراض أن الطرف الآخر يسعى إلى استغلال أي اتفاق لتحقيق مكاسب استراتيجية لاحقة. فالولايات المتحدة تخشى أن يؤدي تخفيف العقوبات إلى تعزيز القدرات الإيرانية دون ضمانات كافية بشأن البرنامج النووي، بينما ترى إيران أن أي التزام جديد قد يصبح عرضة للإلغاء مع تغير الإدارات الأمريكية، كما حدث بعد الانسحاب من الاتفاق النووي. هذه المعضلة الأمنية تجعل كل جولة تفاوضية محكومة بمنطق الشك أكثر من منطق الثقة، وهو ما يفسر تعثر المسارات الدبلوماسية المتكررة خلال السنوات الماضية.

تكشف التجربة الأمريكية الإيرانية أن المفاوضات بين الخصوم الاستراتيجيين ليست سعيًا مباشرًا إلى السلام، بل إدارة مستمرة للصراع بأدوات مختلفة. فالقوة العسكرية، والعقوبات، والحرب النفسية، والرسائل الاستخباراتية، والضغوط الاقتصادية، جميعها تتحول إلى أوراق تفاوض تستخدم بالتوازي مع الحوار السياسي. ولهذا، فإن مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران لن يتحدد فقط بما يُقال على طاولة المفاوضات، بل بما يحدث خارجها. ففي بيئة يغيب عنها الحد الأدنى من الثقة، تصبح كل مبادرة سياسية قابلة للانهيار، ويظل الاستقرار رهين قدرة الطرفين على الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح، وهو انتقال لم تنضج شروطه حتى الآن.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *