المغرب يفوز أيضا خارج الملعب

كيف تحولت الرياضة إلى جواز عبور دبلوماسي لصناعة صورة المملكة في(

)العالم

بقلم جيراردو كريمونا، كاتب رأي-روما (بتعاون مع فوكوس ميديتيراني)

لم تعد كرة القدم في عالم اليوم مجرد لعبة تدور حول مستطيل أخضر، ولا مجرد تسعين دقيقة تنتهي بصافرة حكم معلنة عن فائز وخاسر. لقد أصبحت الرياضة لغة عالمية تتحدث بها الدول حين تعجز الكلمات الدبلوماسية التقليدية عن الوصول إلى القلوب. وفي هذا المجال، يقدم المغرب خلال السنوات الأخيرة نموذجا لافتا لكيفية تحول الرياضة إلى قوة ناعمة، وإلى وسيلة استراتيجية لتعزيز الحضور الدولي، وجذب الاستثمارات، وترسيخ صورة بلد حديث، مستقر، ومنفتح على العالم. فالمملكة لم تعد تكتفي بالمشاركة في المنافسات الكبرى، بل أصبحت تسعى إلى صناعة الحدث، وبناء المؤسسات، وتقديم نفسها كفاعل رياضي وحضاري يتجاوز حدود الملاعب.

إن الدبلوماسية الرياضية ليست مجرد مصطلح جديد، بل هي امتداد لفكرة عميقة مفادها أن الدول لا تبني مكانتها بالقوة الاقتصادية والسياسية فقط، وإنما أيضا بقدرتها على الإلهام وصناعة التأثير. وقد أدرك المغرب مبكرا أن الرياضة يمكن أن تكون جسرا بين الشعوب، ومنصة للتواصل مع العالم، وأداة لتعزيز العلاقات مع مختلف القارات. ولهذا جاءت الاستثمارات في البنيات الرياضية، ومراكز التكوين، وتنظيم التظاهرات الكبرى، ضمن رؤية طويلة المدى تهدف إلى جعل الرياضة جزءا من مشروع وطني شامل.

وكان الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم قطر 2022 لحظة فارقة في هذه الرحلة. فحين وصل أسود الأطلس إلى نصف نهائي المونديال، لم يكن الإنجاز مجرد رقم رياضي غير مسبوق لإفريقيا والعالم العربي، بل كان لحظة رمزية أعادت رسم صورة المغرب في المخيال العالمي. لقد شاهد العالم منتخبا يجمع بين الانضباط والروح الجماعية والإصرار، وشاهد لاعبين يحتفلون بانتصاراتهم إلى جانب عائلاتهم، في مشاهد إنسانية تجاوزت حدود المنافسة الرياضية. لقد انتصر المغرب في تلك اللحظة على أكثر من ملعب. انتصر في ملعب الكرة. وانتصر أيضا في ملعب الصورة والرمز.

ولم يكن ذلك النجاح وليد الصدفة. فخلف الإنجازات توجد منظومة عمل. استثمارات في التكوين. اهتمام بالفئات الشابة. تطوير للمرافق الرياضية. ورؤية جعلت من صناعة اللاعب المغربي مشروع أجيال، وليس مجرد بحث عن نتائج ظرفية. ويأتي مركب محمد السادس لكرة القدم كأحد أبرز الرموز التي تختصر هذا التوجه، باعتباره فضاء حديثا للتكوين والتأهيل، ومركزا يعكس طموح المغرب في أن يكون أحد مراكز صناعة كرة القدم في إفريقيا. كما أن تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال يمثل محطة تاريخية في مسار المملكة. فالمونديال ليس مجرد بطولة. إنه نافذة مفتوحة أمام العالم. فرصة لتقديم البنية التحتية، والمدن، والثقافة، والقدرة التنظيمية المغربية أمام ملايين المتابعين. إنه حدث رياضي، لكنه في الوقت نفسه مشروع اقتصادي وسياحي ودبلوماسي. فالمدن المغربية التي ستستقبل العالم لن تقدم ملاعبها فقط، بل ستقدم تاريخها، وحضارتها، ووجهها المعاصر.

لقد أثبت المغرب أيضا أن كرة القدم يمكن أن تكون جسرا بين القارات. فبفضل موقعه الجغرافي وتاريخه وعلاقاته المتعددة، استطاع أن يقدم نفسه كحلقة وصل بين إفريقيا والعالم العربي وأوروبا. وأصبحت الرياضة فضاء لتوسيع الشراكات، وتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون مع مختلف المؤسسات الرياضية الدولية. لكن نجاح أي دبلوماسية رياضية لا يقاس فقط بعدد البطولات أو التظاهرات الكبرى. فالرهان الحقيقي يكمن في الاستمرارية. في تطوير الرياضة القاعدية. وفي منح الشباب فرصا أكبر. وفي ضمان أن تتحول المنشآت الرياضية إلى فضاءات منتجة للأبطال، لا مجرد صروح مرتبطة بالمناسبات.

واليوم، وبعد المسار الذي قطعه المغرب في السنوات الأخيرة، أصبح واضحا أن الرياضة تحولت إلى أحد وجوه الحضور الدولي للمملكة. فكل انتصار فوق الملعب يحمل معه رسالة. وكل إنجاز يحمل معه صورة.وكل تظاهرة كبرى تفتح بابا جديدا للتواصل مع العالم. لقد أدرك المغرب أن كرة القدم ليست فقط صناعة للأهداف، بل صناعة للثقة أيضا. وفي القرن الحادي والعشرين، حيث تتنافس الدول على النفوذ والصورة والتأثير، أصبحت الملاعب إحدى ساحات السياسة الجديدة. ومن هنا، فإن قصة المغرب مع الرياضة ليست قصة كؤوس ومباريات فقط. إنها قصة بلد اختار أن يجعل من الكرة لغة أخرى للدبلوماسية، ومن النجاح الرياضي جسرا نحو المستقبل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *