هل تخاف فرنسا من الحرب أم من المستقبل؟

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يكون فيها السلاح مجرد معدن، بل يصبح لغة سياسية، ورسالة فلسفية، واعترافا صامتا بأن العالم لم يعد كما كان. وحين يقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عشية احتفالات الرابع عشر من يوليو، ليعلن أن مشروع “إعادة تسليح فرنسا” قد تحقق، فإن الرجل لا يتحدث فقط عن زيادة في ميزانية الدفاع، ولا عن تحديث للطائرات والغواصات والدبابات. إنه يعلن، من حيث يدري أو لا يدري، نهاية مرحلة وبداية أخرى. لكن أيّ مرحلة؟ وهل تتسلح فرنسا استعدادا لحرب قادمة… أم لأنها فقدت يقين السلام؟

لقد اعتادت أوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية، أن تقدم نفسها باعتبارها قارة تجاوزت منطق القوة، واختارت القانون بدل المدافع، والدبلوماسية بدل الخنادق، والاقتصاد بدل الإمبراطوريات. غير أن التاريخ لا يختفي. إنه ينام فقط. ثم يستيقظ فجأة عندما تتغير موازين العالم. الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوترات الدولية، وعودة سباق التسلح، وتراجع اليقين الإستراتيجي الذي عاشته أوروبا لعقود، كلها جعلت القارة تكتشف حقيقة كانت تؤجل الاعتراف بها: السلام ليس حالة دائمة، بل توازن هش تحرسه القوة. وهنا تبدأ المفارقة. لقد كان الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز يرى أن الخوف هو الذي أنشأ الدولة، لأنّ الإنسان، إذا ترك لغرائزه، عاد إلى “حرب الجميع ضد الجميع”. لكن ماذا يحدث عندما يبدأ الخوف نفسه في حكم الدول؟ هل يصبح التسلح ضمانة للسلام؟ أم يتحول إلى مقدمة لحروب جديدة؟

إنّ فرنسا اليوم لا تعيد بناء جيشها لأنها ترغب في الحرب. الدول العاقلة لا تستثمر مليارات اليوروهات لأنها تعشق الصراع. بل لأنها تخشى أن تجد نفسها، في لحظة تاريخية فاصلة، عاجزة عن حماية سيادتها أو الدفاع عن مصالحها. إنها معادلة الردع. ذلك المفهوم الذي يبدو متناقضا في ظاهره: لكي تمنع الحرب، عليك أن تكون مستعدا لها. لكن التاريخ يعلمنا أيضا أن كل سباق تسلح يحمل في داخله بذور قلقه. فكل قوة تولد قوة مضادة. وكل ميزانية دفاعية في دولة، تصبح مبررا لميزانية أكبر في دولة أخرى. وهكذا يتحول الأمن إلى دائرة لا تنتهي. من يسلح من؟ ومن يخاف ممن؟ وهل الخطر هو الذي يصنع السلاح… أم أن السلاح، حين يتراكم، يبدأ هو نفسه في صناعة الخطر؟

إن أوروبا التي كانت، قبل ثلاثة عقود، تتحدث عن “نهاية التاريخ”، عادت اليوم لتتحدث عن الذخائر، والمصانع العسكرية، والسيادة الدفاعية، والاستقلال الإستراتيجي. وكأن القارة التي بشرت بالعولمة تكتشف من جديد أن الجغرافيا أقوى من الأحلام. لقد تغير العالم. لم تعد الولايات المتحدة الضامن الوحيد للأمن الأوروبي كما كان الحال بعد عام 1945. ولم تعد روسيا مجرد جار يمكن تجاهل قدراته. وصعدت الصين قوة عالمية تعيد رسم خرائط الاقتصاد والنفوذ. وفي هذا المشهد، تجد فرنسا نفسها أمام سؤال وجودي: هل تستطيع أن تظل قوة عالمية من دون جيش عالمي؟

إن باريس لا تدافع فقط عن حدودها. إنها تدافع أيضا عن مكانتها. فالدول الكبرى ليست بحجم اقتصادها فقط، بل بقدرتها على حماية مصالحها، وتأمين طرق تجارتها، وحضورها في البحار والمحيطات، ومساهمتها في رسم النظام الدولي. ولهذا، فإن إعادة التسلح ليست مجرد قرار عسكري. إنها إعلان سياسي بأن فرنسا لا تريد أن تكون متفرجة على التاريخ، بل فاعلة فيه. غير أن الوجه الآخر للصورة لا يقل أهمية. فكل يورو يذهب إلى الدفاع، هو يورو لا يذهب إلى التعليم أو الصحة أو البحث العلمي أو الإسكان. وهنا يظهر السؤال الذي يربك الديمقراطيات الحديثة: كيف نوازن بين أمن الحدود وعدالة المجتمع؟

فالدولة لا تحمي نفسها من الخارج فقط. إنها تحمي نفسها أيضا من الداخل، بالمدرسة، والمستشفى، والعدالة الاجتماعية، والثقة بين المواطن ومؤسساته. ولعل هذا هو الامتحان الحقيقي لكل قوة عظمى. أن تعرف كيف تصنع جيشا قويا… من دون أن تضعف مجتمعها. في الأساطير اليونانية، كان أخيل لا يقهر، لكنه كان يحمل نقطة ضعف واحدة. أما الدول، فلها أيضا نقاط ضعفها. قد تمتلك أحدث الطائرات، وأقوى الغواصات، وأدق الصواريخ. لكنها إذا فقدت تماسكها الداخلي، وتراجعت ثقة مواطنيها، واتسعت الفجوة بين الأمن والتنمية، فإن قوتها العسكرية تصبح هيكلا ضخما يقف على أرض هشة. ولذلك فإن مستقبل فرنسا لن تحدده فقط ميزانية الدفاع. بل سيحدده السؤال الأعمق: أي جمهورية تريد فرنسا أن تكون؟

جمهورية تتسلح لأنها تؤمن بأن القوة تحمي الحرية؟ أم جمهورية تخشى أن يصبح هاجس الأمن هو اللغة الوحيدة التي تتحدث بها السياسة؟ لقد قال الرومان قديما: “إذا أردت السلام، فاستعد للحرب.” لكن القرن الحادي والعشرين يضيف سؤالا جديدا إلى تلك الحكمة القديمة: إذا أصبح الجميع يستعد للحرب… فمن الذي سيستعد للسلام؟ ربما لهذا لا ينبغي أن نقرأ خطاب ماكرون بوصفه مجرد حصيلة رئاسية، ولا باعتباره دفاعا عن ميزانية أو برنامجا عسكريا. إنه علامة على تحول أعمق. تحول يخبرنا بأن العالم يغادر، ببطء ولكن بثبات، مرحلة الاطمئنان التي أعقبت الحرب الباردة، ليدخل زمنا جديدا، تتجاور فيه القوة مع القلق، والتكنولوجيا مع الخوف، والدبلوماسية مع الردع. وفي هذا الزمن، لم يعد السؤال: كم دبابة تملك الدول؟ بل أصبح السؤال: هل ما زال الإنسان يبني السلاح ليحمي الحضارة… أم أن الحضارة نفسها أصبحت تعيش تحت رحمة السلاح؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *