بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية-باريس
ليست التحولات الكبرى في الدول تلك التي تعلنها البيانات الرسمية، بل تلك التي تكشفها طبيعة الرجال الذين يصعدون إلى مراكز القرار. فالأسماء، في لحظات التحول التاريخي، لا تكون مجرد شخصيات، بل تصبح مؤشرات على طبيعة المرحلة، واتجاه السلطة، والفلسفة التي ستقود الدولة في مواجهة أزماتها. ومن هذا المنطلق، فإن القراءة التي تضع اسم الجنرال محسن رضائي في قلب المشهد الإيراني لا تتعلق بمصير رجل واحد، بقدر ما تفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقا: هل تدخل الجمهورية الإسلامية مرحلة يصبح فيها القرار السياسي امتدادا للقرار العسكري، أم أن الأمر لا يعدو كونه إعادة توزيع للأدوار داخل منظومة حكم اعتادت العمل في دوائر مغلقة؟
لقد عرف التاريخ الإيراني شخصيات كثيرة عبرت مؤسسات الدولة، لكن قلة منها استطاعت أن تجمع بين الذاكرة العسكرية، والنفوذ السياسي، والقدرة على التأثير في مراكز القرار كما فعل محسن رضائي. فهو ليس مجرد ضابط سابق في الحرس الثوري، بل أحد أبناء الجيل الذي تشكل وعيه تحت نيران الحرب العراقية الإيرانية، وهي الحرب التي لم تترك آثارها على الحدود فحسب، بل أعادت تشكيل العقل الإستراتيجي الإيراني لعقود طويلة. إن رجال تلك المرحلة لا ينظرون إلى العالم كما ينظر إليه السياسي التقليدي. إنهم يرون الجغرافيا بمنظار الأمن، ويقرأون الاقتصاد باعتباره أداة للصمود، ويفسرون الدبلوماسية باعتبارها امتدادا لموازين القوى لا بديلا عنها. ولذلك فإن عودتهم إلى الواجهة لا تحمل دلالة شخصية، بل تعكس رؤية كاملة لإدارة الدولة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح. هل ما نشهده هو صعود رجل… أم صعود عقيدة؟ إن الدول، عندما تشعر بأن محيطها الإستراتيجي يزداد اضطرابا، تميل بطبيعتها إلى تقديم رجال الأمن والعسكر على رجال السياسة. هذه ليست خصوصية إيرانية، بل قانون عرفته الإمبراطوريات القديمة، وعرفته القوى الكبرى في العصر الحديث كلما دخلت مرحلة الإحساس بالخطر الوجودي. غير أن الحالة الإيرانية تظل أكثر تعقيدا. فالحرس الثوري لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية. لقد تحول، مع مرور الزمن، إلى أحد أهم الفاعلين في الاقتصاد، والسياسة، والصناعة، والطاقة، والإعلام، والعلاقات الإقليمية. وبهذا المعنى، فإن أي تحول داخل هذه المؤسسة لا يقتصر أثره على المؤسسة العسكرية، بل يمتد إلى بنية الدولة بأكملها.
ومن هنا، فإن حضور شخصية مثل محسن رضائي في دوائر القرار، إذا ما تأكدت هذه القراءة، يعني أن الدولة الإيرانية تراهن على خبرة الحرب أكثر مما تراهن على مرونة السياسة. لكن التاريخ يعلمنا أيضا أن الأمن، مهما بلغت ضرورته، لا يستطيع وحده أن يبني دولة. فالدول لا تستقر بالقوة وحدها، كما أنها لا تزدهر بالردع وحده. إن الأمن يمنع الانهيار، لكنه لا يصنع التنمية. والجيوش تحمي الحدود، لكنها لا تخلق فرص العمل. أما الاقتصاد، فهو الميدان الحقيقي الذي تختبر فيه شرعية الأنظمة في القرن الحادي والعشرين. وهنا تكمن المعضلة الإيرانية. فإيران تواجه اليوم معادلة معقدة تجمع بين الضغوط الخارجية، والعقوبات الاقتصادية، وتحديات التنمية، وتطلعات مجتمع شاب يتطلع إلى تحسين ظروفه المعيشية. وفي مثل هذا السياق، يصبح كل قرار أمني قرارا اقتصاديا، وكل قرار اقتصادي قرارا سياسيا، وتتداخل الملفات إلى درجة يصعب معها الفصل بين الأمن والتنمية. وهل يمكن لأي دولة أن تستمر طويلا وهي تدير اقتصادها بعقلية الحرب؟ وهل تستطيع العقيدة الأمنية، مهما بلغت صلابتها، أن تقدم أجوبة عن البطالة، والتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وهجرة الكفاءات؟
إن هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن الأسئلة العسكرية، لأنها تتعلق بمستقبل الدولة نفسها. لقد أثبت التاريخ أن الإمبراطوريات لا تنهار دائما لأنها خسرت معركة، بل لأنها عجزت عن تحقيق التوازن بين القوة والازدهار، وبين الأمن والحرية، وبين الردع والتنمية. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن تتحول حالة الطوارئ إلى أسلوب دائم في الحكم، وأن تصبح السياسة أسيرة للهواجس الأمنية، فيضيق هامش المبادرة، وتتراجع قدرة المؤسسات المدنية على التأثير في صناعة القرار. ولا يعني ذلك أن الدولة تستطيع الاستغناء عن مؤسساتها العسكرية، فالجيوش كانت وستظل ركنا أساسيا من أركان السيادة الوطنية. لكن الدولة الحديثة لا تقاس بعدد جنرالاتها، بقدر ما تقاس بقدرتها على تحقيق التوازن بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، وبين مقتضيات الأمن ومتطلبات التنمية.
ولذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في شخص محسن رضائي، ولا في موقعه داخل هرم السلطة، وإنما في السؤال الأوسع: أي نموذج للدولة يتشكل في إيران اليوم؟ هل نحن أمام دولة تمنح الأولوية للسياسة مع الاستناد إلى القوة العسكرية؟ أم أمام دولة تصبح فيها المؤسسة العسكرية هي الإطار المرجعي الذي تتحرك داخله السياسة والاقتصاد والدبلوماسية؟ ذلك هو السؤال الذي سيحدد ملامح إيران في السنوات المقبلة. فالأشخاص يرحلون، أما العقائد السياسية فتبقى، والدول لا تصنعها الأسماء وحدها، بل تصنعها الأفكار التي تقودها، والرؤية التي ترسم مستقبلها، والقدرة على تحقيق معادلة شديدة الصعوبة: أن تبقى قوية دون أن تصبح أسيرة للقوة، وأن تحافظ على أمنها دون أن يتحول الأمن إلى الغاية الوحيدة للدولة. وربما لهذا السبب، فإن صعود الجنرالات لا ينبغي أن يقرأ باعتباره حدثا عابرا في مسار السياسة الإيرانية، بل باعتباره مرآة تعكس طبيعة المرحلة التي تعيشها الجمهورية الإسلامية، مرحلة يتداخل فيها العسكري بالسياسي، والأمني بالاقتصادي، والإقليمي بالدولي، في لوحة معقدة لا يمكن فهمها إلا بالنظر إلى ما وراء الأشخاص… إلى الفكرة التي يحملونها، وإلى الدولة التي يسعون إلى بنائها.
📲 Partager sur WhatsApp