بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
في السياسة، لا يسافر الرؤساء وحدهم. إنّهم يحملون معهم خرائط غير مرئية، وطبقات من المعاني لا تراها عدسات الكاميرات. وكل ظهور لفلوديمير زيلينسكي في لحظة تتعرض فيها الموانئ والبنى التحتية لضربات متكررة، ليس مجرد انتقال جسدي من مكان إلى آخر، بل حدث رمزي تتزاحم فيه الجغرافيا والفلسفة والقوة والإرادة. ليست الحرب في أوكرانيا حربا على الأرض وحدها؛ إنّها صراع على معنى الأرض. فمن يملك البحر، لا يملك الماء فحسب، بل يملك إيقاع الاقتصاد، ونبض التجارة، ومفاتيح الزمن. ولهذا تحولت بحر آزوف من مساحة زرقاء على الخرائط إلى عقدة استراتيجية تتقاطع فيها الإمبراطوريات القديمة مع الحسابات العسكرية الحديثة.
في هذا المشهد، يصبح حضور زيلينسكي أكثر من صورة لرئيس في زمن الحرب. إنّه إعلان بأن السلطة السياسية هي بقدرتها على تحويل الوجود نفسه إلى رسالة. فالزعيم الذي يظهر حيث يتوقع خصومه الغياب، يراهن على أن الرمزية قد تكون أحيانا أشد وقعا من المدفعية. إنّ الحرب الحديثة لم تعد تدار بالسلاح فقط، بل بالسردية. الصاروخ يدمر ميناء، أمّا الرواية فتسعى إلى إعادة تعريف معنى هذا الدمار. ولهذا تتنافس الدول على السيطرة على الصورة كما تتنافس على السيطرة على الممرّات البحرية. فالعالم لا يرى الوقائع مجردة، بل يراها من خلال القصص التي تبنى حولها. بحر آزوف ليس مجرد ممر لنقل الحبوب أو لإمداد شبه جزيرة القرم؛ إنّه مختبر يعيد تعريف العلاقة بين الاقتصاد والأمن. فعندما تصبح الموانئ أهدافا عسكرية، تتحول سلاسل الإمداد إلى أدوات ضغط، ويصبح الغذاء جزءًا من معادلات الردع، كما تصبح التجارة امتدادا للاستراتيجية.

ومن هنا، فإنّ الرسائل الروسية التي تؤكد استمرار الإمدادات والأسواق الداخلية ليست مجرد تطمين اقتصادي، بل جزء من معركة الثقة. ففي زمن النزاعات الكبرى، لا تتنافس الدول على السيطرة على الموارد فقط، بل على طمأنة مجتمعاتها وإقناع العالم بأن قدرتها على الاستمرار لم تتصدع. أما زيلينسكي، فيتحرك داخل فضاء مختلف؛ فضاء يحاول فيه أن يجعل من الحضور السياسي أداة لتثبيت فكرة الصمود، ولإبقاء أوكرانيا حاضرة في الوعي الدولي. فالحروب الطويلة لا تحسم في الميدان وحده، بل في قدرة الأطراف على منع العالم من الاعتياد عليها.
وربما تكمن المفارقة الفلسفية الكبرى في أن القرن الحادي والعشرين، الذي وعد البشرية بعصر الترابط، أعاد اكتشاف هشاشة هذا الترابط. ممر بحري واحد قد يهز أسواقا بعيدة، وضربة على ميناء قد تمتد آثارها إلى أسعار الغذاء والطاقة، وخط ملاحي قد يصبح مرآة لتوازنات دولية أوسع. إن حضور زيلينسكي، في هذا السياق، لا يغير الجغرافيا، لكنه يذكّر العالم بأن الجغرافيا ليست قدرا جامدا، بل فضاء تتصارع فيه الإرادات والروايات والمصالح. وبين الخرائط التي ترسمها القوة، والخرائط التي يرسمها الأمل، تبقى السياسة فن إدارة الممكن، وتبقى الحرب الامتحان الأكثر قسوة لقدرة الإنسان على إعادة تعريف المستقبل.
📲 Partager sur WhatsApp