حكاية كيرا مع جده وصورة المولى إسماعيل

الحلقة السادسة من سلسلة: أسطورة النكتة في الحي المحمدي (المرحوم كيرا)

بقلم: عبد الله شوكا, كاتب وصحافي – المغرب

هناك أشخاص لا يحتاجون إلى إعداد المسرح حتى يصنعوا الفرجة، ولا يحتاجون إلى نص مكتوب حتى يخلقوا الضحك. يكفي أن يدخلوا مكانا، أو يتحركوا حركة عابرة، أو ينطقوا بجملة بسيطة، حتى تتحول اللحظة العادية إلى مشهد استثنائي يبقى عالقا في ذاكرة الناس. ومن هؤلاء الذين أنجبتهم الأحياء الشعبية المغربية، يبرز اسم كيرا، ذلك الرجل الذي أصبح في الحي المحمدي مرادفا للنكتة، وعنوانا للذكاء الشعبي الذي لا يتخرج من المدارس، بل يولد من الاحتكاك بالحياة ومن سرعة البديهة.

كان كيرا يمتلك موهبة نادرة؛ لم تكن النكتة عنده كلامًا فقط، بل كانت أسلوب عيش. كانت في مشيته، وفي نظراته، وفي طريقة تعامله مع المواقف. كان يستطيع أن يحول أبسط التفاصيل إلى لحظة ضحك جماعي، حتى إن بعض معارفه كانوا يقولون إن الجلوس مع كيرا مغامرة، لأنك لا تعرف متى ستنفجر ضاحكا. ومن بين الحكايات التي بقيت شاهدة على عبقرية هذا الرجل، قصته ذات صباح من صباحات سبعينيات القرن الماضي، حين دخل في معركة صغيرة مع مزاجه، ومع جيبه الفارغ، ومع رغبته الملحّة في سيجارة.

استيقظ كيرا ذات يوم وهو ليس في أفضل حالاته. كان يشعر بأنّ شيئا ينقصه، وكان يعرف جيدا أن مفتاح عودة المزاج إلى مكانه لا يحتاج إلى خطب طويلة ولا إلى نصائح، بل إلى شيء بسيط جدا في نظره: سيجارة. لكن المشكلة أن السيجارة تحتاج إلى درهم، والدرهم في ذلك الزمن لم يكن شيئا سهل المنال. بحث كيرا في أرجاء البيت المتواضع، فتش جيوبه، قلب بعض الأشياء، ونظر حوله لعله يجد يدا رحيمة تمنحه ذلك الدرهم الصغير الذي كان بالنسبة إليه، في تلك اللحظة، أشبه بثروة مخبأة. لكن لا أحد في البيت كان قادرا على إنقاذ الموقف.

فكر في الخروج، وربما اقتراض درهم من أحد أبناء الحي، لكنه سرعان ما تراجع. فالاقتراض في مثل تلك الظروف قد يتحول إلى مغامرة غير محسوبة، خصوصا إذا وجد نفسه أمام رفض قد يزيد من سوء مزاجه. ثم خطرت له فكرة الذهاب إلى بائع السجائر قرب حي سوسيكا وطلب سيجارة بالدين. لكنه، وبحكم معرفته بطباع الناس، قال في نفسه إن الرفض سيكون أقسى من العطش نفسه. فلم يكن يريد أن يبدأ يومه بمعركة كلامية. جلس كيرا يفكر…والذين عرفوه كانوا يعرفون أنّ لحظات الصمت عنده ليست فراغا، بل هي اللحظات التي تعمل فيها آلة الذكاء بأقصى سرعتها. وفجأة…أضاءت الفكرة.

نهض وكأنّه عثر على الكنز. توجه نحو غرفة والديه، حيث كانت تحفظ بعض صور العائلة القديمة، تلك الصور بالأبيض والأسود التي كانت تختزن وجوه الأجداد وذكريات زمن لم تعد له عودة. بدأ يقلب الصور واحدة واحدة. صورة هنا… وصورة هناك…حتى توقفت عيناه عند صورة قديمة لجده. نظر إليها طويلا. ثم ابتسم. لقد وجد الحل! لم ير كيرا في الصورة مجرد ذكرى عائلية، بل رأى فرصة لإنقاذ صباحه. حمل الصورة بكل جدية، وخرج من البيت بحي سوسيكا، متوجها إلى البقال الذي يعرفه جيدا ويعرف خفة دم كيرا ومغامراته. دخل عليه، ووضع الصورة أمامه، ثم خاطبه بجدية كاملة:

– “واش تشري مني صورة المولى إسماعيل؟”

توقف البقال لحظة. نظر إلى الصورة. ثم نظر إلى كيرا. ثم عاد ينظر إلى الصورة. كان يحاول أن يستوعب هذه الصفقة التاريخية التي ظهرت فجأة أمامه: رجل يعرض عليه صورة بالأبيض والأسود ويؤكد له أنّها صورة السلطان المولى إسماعيل! كانت المفارقة أكبر من أن تصدّق. فكيرا لم يكن يريد بيع تاريخ المغرب، ولم يكن يريد فتح متحف للصور السلطانية، كان يريد فقط ثمن سيجارة. سيجارة واحدة فقط…لكنها تحولت في يده إلى مشروع تجاري إمبراطوري.

ظل البقال يحدق في وجه كيرا الذي كان يؤدي دوره بجدية مذهلة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة صفراء، تلك الابتسامة التي تعني أنه فهم اللعبة لكنه قرر أن يترك صاحبها يكمل العرض. لقد أدرك الرجل أن أمامه ليس بائع تحف تاريخية، بل كيرا نفسه، ملك الحيل الطريفة وصانع المواقف المستحيلة. لم يشتر الصورة. ولم يحصل كيرا على الدرهم. لكن الصفقة الفاشلة تحولت إلى واحدة من أجمل الحكايات التي بقيت تتداول في أزقة الحي المحمدي.

إن عبقرية كيرا لم تكن في أنه استطاع خداع الناس، بل في أنه كان يحول حتى محاولاته الفاشلة إلى انتصار من نوع آخر. كان يعرف أن الحياة ليست دائمًا عادلة، وأن الجيب قد يفرغ، لكن الخيال لا ينبغي أن يفلس. ولهذا بقيت حكاياته حيّة.فبعض الناس يتركون وراءهم مالا أو مناصب أو ممتلكات…أما كيرا، فقد ترك شيئًا أكثر ندرة: ضحكة صافية لا تزال تتردد في ذاكرة الحي المحمدي. رحم الله كيرا، الرجل الذي استطاع أن يجعل من صورة جدّه القديمة، ولو للحظات، وثيقة إمبراطورية من زمن المولى إسماعيل… فقط من أجل سيجارة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *