الناموس يكتب رسالة للبشرية

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

ما الذي يخيف الإنسان حقا؟ الأسد؟ الذئب؟ التنين الذي نسجته الأساطير؟ لا…إن أكثر ما أرعب البشرية لم يكن وحشً يملأ الأفق، بل نقطة سوداء تكاد لا تُرى، لها جناحان شفافان وصوت لا يكاد يُسمع. ذلك الطنين الذي يمر قرب الأذن ليس مجرد حشرة؛ إنّه، في بعض اللّيالي، الصوت الذي يوقظ هشاشة الحضارة كلّها. أي مفارقة هذه؟ لقد بنى الإنسان المدن، واخترع الأقمار الصناعية، وغاص في الذرة، وحاول أن يلامس المريخ… ثم يعود آخر النهار ليهزم أمام ناموسة لا يتجاوز وزنها جزءا من ألف جزء من الغرام. كأنّ الكون يبتسم. وكأنّ الطبيعة تعرف كيف تضع كبرياء الإنسان في كفّ مخلوق لا يرى إلاّ إذا اقترب منك بما يكفي ليذكّرك بأنّ العظمة ليست دائما في الحجم.

كلما ظهر فيروس جديد يحمله البعوض، يتكرر السؤال القديم في ثوب جديد: هل تثأر الطبيعة؟ لكن الطبيعة لا تعرف الثأر. الثأر اختراع بشري. الغابة لا تكره الحطّاب، والبحر لا يغضب من السفينة، والبعوضة لا تحمل برنامجا سياسيا ضد الإنسان. إنّها تبحث عن قطرة دم، لا عن انتقام. ومع ذلك… ثمّة شيء يجعلنا نشعر بأنّ الأرض تغيّر لغتها. ربّما ليست الطبيعة هي التي ثارت. ربما نحن الذين نسينا قواعد الحوار معها.

كانت الحشرات في عالم الأساطير رسلا غامضة بين العالمين. كان المصري القديم يرى في الخنفساء سرّ الشمس وهي تولد كل صباح. وكان الإغريق يروون أن الآلهة قد تعاقب مدينة كاملة بسرب من الجراد. وفي كتب التراث العربي، لم تكن الحشرات مجرد كائنات تافهة، بل شخصيات تلقّن الإنسان درسا في التواضع. كان الأدباء يسخرون من الذين يحتقرون الصغير، لأن أصغر المخلوقات قد يقلب موازين الملوك. ولم يكن هذا خيالا. لقد أثبت التاريخ مرارًا أن الإمبراطوريات لم تسقط دائما بالسيوف، بل بالأوبئة. أحيانا…تكفي لدغة.

في علم الحشرات، تبدو البعوضة كائنا شديد الدقة، نتاج ملايين السنين من التطور. ليست شريرة، ولا خيّرة. إنها تعمل وفق قوانين الحياة نفسها. لكنّ الإنسان وحده يمنحها معنى. يراها مرة شيطانا. ويراها مرة رسولا. ويراها مرة مرآة لذنوبه البيئية. وهنا تبدأ الفلسفة. حين نعجز عن فهم العالم، نحوله إلى قصة. فنقول إن الطبيعة تنتقم. وربما الحقيقة أكثر غرابة من الانتقام. فالطبيعة لا تنتقم…إنّها تستمر. نح من تغيّرنا. قطعنا الغابات، ودفّأنا الهواء، وبدّلنا مجاري المياه، ونقلنا الكائنات من قارة إلى أخرى، ثم استغربنا أن تغيّر الحشرات خرائطها أيضا. ليس البعوض هو الذي هاجر. بل العالم كله تحرك من مكانه.

أطرف ما في البعوض أنّه لا يعلن الحرب. إنّه يعزف أولا. ذلك الطنين ليس مجرد صوت. إنّه ربما أقصر مقدمة موسيقية عرفها التاريخ قبل أن تبدأ المأساة. كأنّ الحشرة الصغيرة تمتلك ذوقا مسرحيا لا يخلو من السخرية؛ تمنح ضحيتها لحظة انتظار، ثم توقع توقيعها الأحمر على الجلد، وتمضي غير عابئة بفلسفات البشر كلها. ولو كتب الجاحظ عنها، لقال إنّ الإنسان مخلوق عجيب؛ يخشى البعوض أكثر مما يخشى غروره. ولربما ضحك طويلا من ذلك الكائن الذي يملك مفاتيح الذرة، لكنه يقضي الليل يصفق في الهواء مطاردا حشرة لا تكاد ترى.

وربّما ليست البعوضة هي بطلة الحكاية. بل الإنسان. إنّها لا تفعل سوى ما تعلمته منذ ملايين السنين. أمّا نحن، فما زلنا نتعلم كيف نعيش على كوكب ظنناه ملكية خاصة. كنا نظن أننا سادة الأرض. فاكتشفنا أننا مجرد نوع من بين ملايين الأنواع. ولعلّ أكثر ما يربك غرورنا أنّ هذا الدرس لا يأتي من حوتٍ عملاق، ولا من نيزك، بل من جناحين شفافين لا يتجاوز صوتهما همسة. ربما لن تنتهي معركة الإنسان مع البعوض. لأنها ليست معركة ضد حشرة. إنها معركة ضد وهم قديم: وهم أن الطبيعة صامتة. هي لا تتكلم بلغتنا. لكنّها تكتب. مرة بالأعاصير. ومرة بالجفاف. ومرة بذبول زهرة. وأحيانا… تكتب رسائلها على هيئة ناموسة، صغيرة إلى حد السخرية، لكنها كبيرة بما يكفي لتذكّر الإنسان أن الكون لا يقيس القوة بالحجم، ولا السيادة بالضجيج، وأن أكثر الكائنات تواضعا قد يحمل في جناحيه سؤالا فلسفيا يعجز عنه أعظم الفلاسفة: من السيد الحقيقي على هذه الأرض؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *