في رواية الموت… من يجرؤ على توقيع آخر سطر؟

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

ليس أكثر غرابة من أن يقضي الإنسان آلاف السنين يبحث عن الخلود…ثم يستيقظ ذات صباح ليناقش، في برلماناته ومحاكمه، الحق في أن يختار لحظة الرحيل. أي مفارقة هذه؟ كأن التاريخ كله دار دورة كاملة، ثم عاد إلى النقطة التي كان يخاف حتى من النظر إليها. لقد بنى الإنسان المعابد كي يهزم الفناء، ثم بنى المستشفيات كي يؤجله، ثم بنى أجهزة تتنفس نيابة عنه، ثم جلس أخيرا أمام سرير المرض يسأل السؤال الذي لم يجرؤ جلجامش نفسه على طرحه: هل يمكن أن تكون الرحمة أحيانًا أصعب من المقاومة؟

كل حضارة تُعرَّف بالسؤال الذي ترتجف أمامه. وسؤال عصرنا ليس الذكاء الاصطناعي. ولا استعمار الفضاء. ولا نهاية النفط. إنه سؤال أكثر صمتا، وأكثر قسوة. من يملك الباب الأخير؟ ومن يملك حق وضع يده على المقبض؟ الطب يقول: أستطيع أن أؤخر النهاية. لكن الطب، مهما بلغ، لم يخترع روحا واحدة. القانون يقول: أضع حدودا لما يجوز وما لا يجوز. لكن القانون لا يسمع أنين الليل، ولا يرى دموع الأم حين ينام الجميع. أما الدّين…فلا يتحدث إلى الجسد وحده. إنّه يخاطب ذلك السر الذي يسكن الجسد. ولذلك ظل الموت، في الرؤية الدينية، ليس حادثة طبية، بل عبورا، وأمانة لا يملكها الإنسان على جهة التملك المطلق. ومع ذلك، ناقش علماء وفقهاء عبر العصور حدود العلاج، وجدواه، وما إذا كان الاستمرار في بعض الوسائل الطبية عند انعدام الجدوى يختلف أخلاقيا عن التسبب المتعمد في إنهاء الحياة. إن مجرد وجود هذا النقاش يدل على أن الواقع الإنساني أكثر تعقيدا من الشعارات.

أتذكر صديقا صوفيا…لم يكن يخاف الموت. كان يخاف أن يصبح جسده سجنا لروحه. كان يقول: “ليست المشكلة أن أموت…بل أن يتأخّر الموت حتى ينسى الجسد كيف يعيش.” وحين أحاطت به الأنابيب، بدا المشهد كأنّه من أسطورة قديمة. لم يعد الإنسان يتنفس. بل أصبحت الآلة هي التي تتذكر عنه فعل التنفس. عندها أدركت أن التكنولوجيا لا تهزم الموت. إنّها تفاوضه. وأحيانا…تؤجل توقيعه فقط. في الأساطير، كان الموت إلها. وفي الفلسفة، صار سؤالا. وفي المستشفيات الحديثة، أصبح لجنة أخلاقية. يا لها من رحلة! لقد خلع الموت عباءته السوداء، وارتدى معطفا أبيض. صار يقف إلى جوار الطبيب، لا في مواجهته. لا ليأمره. ولا ليعصيه. بل ليهمس له: إلى أين تنتهي قدرتك… ويبدأ قدري؟

نحن نحب أن نقول إنّ الإنسان سيد الطبيعة. لكن الحقيقة أكثر تواضعا. فالإنسان لا يملك حتى اللحظة التي يغادر فيها هذا العالم. إنه يتفاوض معها. يصلي. يبكي. يقاوم. يوقّع الأوراق. يستشير الأطباء. يستفتي الفقهاء. ثم يكتشف أن الموت لا يقرأ المحاضر. ولو اجتمع أفلاطون، وابن سينا، والغزالي، وسبينوزا، وهايدغر، وألبير كامو، لما استطاعوا أن يمنحوا العالم جوابا واحدا. لأنّ السؤال نفسه ليس سؤالا قانونيا فقط. إنّه سؤال عن معنى الإنسان. هل الإنسان هو جسده؟ فإذا تعطّل الجسد، انتهى كل شيء؟ أم أنّ الإنسان هو وعيه؟ فإذا غاب الوعي، بقيت الكرامة؟ أم أنّ الإنسان سرّ لا تستطيع أجهزة التصوير أن تلتقطه، ولا تستطيع المعادلات أن تقيسه؟

في الغرب، يناقشون المسألة بلغة الحقوق. وفي الشرق، تطرح غالبا بلغة الأمانة. وهاتان اللغتان لا تتصارعان بالضرورة. إنّهما تحاولان، كل بطريقتها، أن تحميا شيئا واحدا: كرامة الإنسان. لكن الكرامة نفسها تبدو أحيانا مثل مرآة. كل حضارة ترى فيها وجها مختلفا. لعل الحضارة الحديثة لم تعد تطارد الخلود. لقد تعبت من ذلك. إنّها تطارد شيئا آخر. موتا بلا إذلال. ورحيلا لا يهان فيه الإنسان بالألم إذا لم يعد للطب ما يقدّمه سوى إطالة الزمن البيولوجي دون أمل في التعافي.وهنا يقف الضمير الإنساني على حافة هاوية، يسأل ولا يتعجل الإجابة.

وربما سيأتي يوم لا يُسأل فيه: هل يحق لنا أن نختار الموت؟ بل سيسأل سؤال أكثر رعبا: هل أصبحنا نعرف حقا ما هي الحياة؟ لأن الحياة ليست عدد النبضات. وليست صورة تتحرك على شاشة. وليست جهازا يضخ الهواء. وليست تقريرا طبيا. الحياة…ذلك السر الذي لم يستطع العلم أن يصنعه، ولم يستطع الفيلسوف أن يعرّفه، ولم يستطع الشاعر أن يكتبه حتى النهاية. وأحسب أن الموت لا يخيفنا لأنّه النهاية. بل لأنّه القاضي الوحيد الذي لا يقبل الاستئناف. والغريب…أنّ البشرية، بعد كل ما شيّدته من علوم وقوانين، ما تزال تقف أمام بابه كما وقف الإنسان الأول: بعينين ممتلئتين بالأسئلة…ويدين فارغتين من اليقين.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “في رواية الموت… من يجرؤ على توقيع آخر سطر؟

  1. كلنا جلجامش، في البحث عن نبتة الخلود، الترياق المقاوم الموت، كان ذلك منذ اللحظة التي ادرك فيها الإنسان أنه فان، ذاهب صوب التلاشي. مندءذ أخذ هذا الكاءن الميتافيزيقي ينوع في إبداع إمكانات الإشهاد على المرور: الكتابة، الفن، العمران، الرمز، الأسطورة، الدين، …
    غير أنه منذ أن صرح ديكارت أب الفلسفة الغربية الحديثة، أنه بالعلم يصبح الإنسان سيدا على الطبيعة، كان قد دشن اعتقاد الفكر الغربي الواهم، في أن التقنية كفكر حسابي هاجسه فعل
    ” الموضعة”وبلوغ الموضوعية، اصطدم بتعقد العالم اللامتناهي في الصغر، وخاصة في مجال الكائن الحي، الميكروبيولوجيا، ليعترف في النهاية بمفاهيم الاحتمال، النسبية والصلاحية عوض وهم البحت عن الحقيقة، ليمسي متكامل بلغة متواضعة…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *