الفصل الثالث: لماذا أصبح ملف الصحراء المغربية عنوانا لإعادة ترتيب التحالفات الدولية؟

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

لم تعد قضية الصحراء المغربية، في سياق التحولات الدولية الراهنة، مجرد نزاع إقليمي محدود الأبعاد، بل أصبحت واحدة من الملفات التي تكشف بوضوح طبيعة التحولات التي يعرفها النظام الدولي، حيث تتقاطع فيها اعتبارات السيادة، والأمن الإقليمي، والطاقة، والممرات البحرية، والتنافس على النفوذ في إفريقيا. ومن هنا فإن فهم التحول في مواقف عدد من الدول، وفي مقدمتها فرنسا، لا يمكن أن يتم بمعزل عن التحولات الكبرى التي جعلت من منطقة شمال إفريقيا وغربها فضاءً استراتيجياً تتنافس فيه قوى دولية متعددة. فالعالم لم يعد ينظر إلى المنطقة من زاوية النزاعات القديمة فقط، بل من زاوية جديدة عنوانها: من يستطيع ضمان الاستقرار؟ ومن يمتلك القدرة على بناء شراكات طويلة الأمد؟ وفي هذه المعادلة، استطاع المغرب أن يحول قضية الصحراء من ملف دفاعي إلى عنصر مركزي في رؤيته الاستراتيجية لمكانته الدولية.

أولا: منطق التحولات الدولية… الواقعية تعود إلى واجهة السياسة العالمية

شهد العقد الأخير تغيرا عميقا في طريقة إدارة الدول لعلاقاتها الخارجية. فبعد مرحلة طويلة طغت فيها مقاربات أيديولوجية وقانونية مجردة في عدد من الملفات الدولية، عادت الاعتبارات الواقعية لتحتل موقعاً مركزيا في صناعة القرار. أصبحت الدول تسأل بشكل متزايد:

– من يملك القدرة على تحقيق الاستقرار؟

– من يستطيع حماية المصالح الاقتصادية؟

– من يوفر شريكا موثوقا في مناطق الأزمات؟-

وهذه الأسئلة أصبحت حاسمة في تقييم الملفات الإقليمية. وفي حالة شمال إفريقيا، برز المغرب كدولة تتمتع بعناصر استقرار مؤسساتي وأمني واقتصادي، وهو ما جعل عدداً من الشركاء الدوليين ينظرون إلى استقرار المملكة باعتباره جزءا من استقرار المنطقة بأكملها.

ثانيا: الموقف الفرنسي… من إدارة التوازن إلى بناء شراكة استراتيجية

تكمن أهمية التحول الفرنسي في كونه لا يتعلق فقط بموقف سياسي من قضية معينة، بل بإعادة تعريف العلاقة مع المغرب. ففرنسا، باعتبارها قوة أوروبية كبرى وعضوا دائما في مجلس الأمن، تدرك أن علاقتها بالمغرب ترتبط بمجموعة واسعة من الملفات:

– أمن المتوسط.

– مكافحة الإرهاب.

– الهجرة.

– الطاقة.

– الاستثمارات.

– مستقبل إفريقيا.

وبالتالي، فإن دعمها للموقف المغربي بشأن الصحراء يأتي في إطار رؤية أوسع ترى أن المغرب شريك استراتيجي لا يمكن اختزاله في ملف واحد. كما أن هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تنطلق من معطيات الواقع، ومن قدرة الأطراف على ضمان التنمية والاستقرار. مع التأكيد على أن المسار الأممي يظل الإطار الدولي المعتمد لمعالجة النزاع، وأن مواقف الدول المختلفة تظل جزءا من دينامية دبلوماسية مستمرة.

ثالثا: الأقاليم الجنوبية… من ملف سياسي إلى منصة اقتصادية وجيو-استراتيجية

أحد التحولات الكبرى في المقاربة المغربية هو الانتقال من التركيز فقط على البعد السياسي للقضية إلى بناء واقع اقتصادي وتنموي في الأقاليم الجنوبية. فالمغرب عمل خلال السنوات الماضية على إطلاق مشاريع كبرى في:

– البنية التحتية.

– الموانئ.

– الطاقة المتجددة.

– الربط الطرقي.

– الاستثمار الصناعي.

– التنمية الاجتماعية.

والفكرة الأساسية هنا أن التنمية أصبحت أداة استراتيجية لإعادة تعريف موقع المنطقة. فالمناطق الجنوبية لا ينظر إليها فقط باعتبارها موضوع نزاع، بل باعتبارها فضاء يمكن أن يلعب دوراً في الربط بين أوروبا وإفريقيا، خصوصا مع تنامي أهمية المحيط الأطلسي في الحسابات الاقتصادية العالمية.

رابعا: الأطلسي الإفريقي… البعد الجديد لقضية الصحراء

من بين أهم التحولات في التفكير الاستراتيجي المغربي هو التركيز على البعد الأطلسي. فالمحيط الأطلسي لم يعد مجرد حدود بحرية، بل أصبح فضاءً للتنافس الاقتصادي والأمني. وتبرز هنا أهمية:

– الموقع البحري للمغرب.

– الموانئ الكبرى.

– مشاريع الربط الإفريقي.

– إمكانات الطاقة الخضراء.

– القرب من الأسواق الأوروبية.

ومن هذا المنظور، تصبح الأقاليم الجنوبية جزءا من رؤية أوسع تهدف إلى جعل المغرب منصة للتواصل بين القارة الإفريقية وأوروبا والعالم الأطلسي. وهذا البعد يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بالاستقرار في هذه المنطقة.

خامسا: لماذا يمثل المغرب شريكا مهما لأوروبا؟

تواجه أوروبا خلال السنوات الأخيرة تحديات متعددة:

– اضطرابات الطاقة.

– المنافسة الاقتصادية العالمية.

– ضغوط الهجرة.

– تهديدات الساحل.

– التحول نحو الطاقات النظيفة.

وفي مواجهة هذه التحديات، تحتاج أوروبا إلى شركاء قريبين جغرافيا، مستقرين سياسيا، وقادرين على توفير حلول مشتركة. وهنا يظهر المغرب كحلقة وصل طبيعية. فالمملكة تقدم:

– الاستقرار السياسي.

– القرب الجغرافي.

– الخبرة الإفريقية.

– الإمكانات الطاقية

ولهذا فإن الشراكة مع المغرب أصبحت بالنسبة للعديد من العواصم الأوروبية استثماراً في المستقبل، وليس مجرد علاقة ثنائية تقليدية.

سادسا: انعكاسات التحول على التوازنات الإقليمية

أي تحول في قضية استراتيجية كقضية الصحراء لا يبقى دون آثار على المحيط الإقليمي. فارتفاع مستوى دعم المغرب من طرف عدد من الشركاء الدوليين يعيد تشكيل طبيعة النقاش حول مستقبل المنطقة. كما أن التحول في المقاربة الدولية يضع الأطراف الإقليمية أمام واقع جديد: أن الرهانات الكبرى لم تعد فقط مرتبطة بالصراعات السياسية، بل أصبحت مرتبطة بمن يستطيع تقديم نموذج تنموي واستقرار إقليمي. وفي هذا السياق، يراهن المغرب على أن التنمية والشراكات الاقتصادية يمكن أن تكون عاملا حاسما في بناء الشرعية الدولية.

سابعا: البعد الجزائري… بين حسابات الماضي وتحديات المستقبل

لا يمكن تحليل ملف الصحراء دون الإشارة إلى البعد الإقليمي، خصوصا العلاقة المغربية الجزائرية. فالخلاف حول الصحراء ظل لعقود أحد أبرز عناصر التوتر بين البلدين، رغم وجود قضايا مشتركة كبرى يمكن أن تشكل أساسا للتعاون، مثل الأمن الطاقي، والتكامل الاقتصادي، ومواجهة تحديات الساحل. غير أن استمرار الخلاف يعكس تعقيدا تاريخيا وجيوسياسيا يتجاوز الملف نفسه. ومع تغير البيئة الدولية، أصبحت المنطقة بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مقاربات جديدة تقوم على التعاون والتنمية، لأن التحديات المشتركة تتجاوز حدود الخلافات الثنائية.

ثامنا: هل أصبح ملف الصحراء مؤشرا على صعود المغرب الدولي؟

الإجابة تكمن في الطريقة التي استطاع بها المغرب إعادة تقديم القضية ضمن إطار أوسع. فبدلا من أن تبقى القضية محصورة في نقاش سياسي، أصبحت مرتبطة بأسئلة كبرى:

– الأمن الإقليمي.

– التنمية الإفريقية.

– الاقتصاد الأزرق.

– الطاقة المتجددة.

– الربط القاري.

– استقرار غرب المتوسط.

وهنا تظهر قوة المقاربة المغربية: تحويل قضية وطنية إلى جزء من رؤية دولية حول الاستقرار والتنمية. إن التحول في ملف الصحراء لا يمكن فهمه فقط من خلال البيانات السياسية، بل من خلال التحولات العميقة في النظام الدولي. فالمغرب لم يعتمد فقط على المطالبة بالدعم، بل عمل على بناء واقع سياسي واقتصادي يجعل الشراكة معه ذات قيمة استراتيجية. ومن هذه الزاوية، فإن الاتفاقيات المغربية الفرنسية الجديدة ليست منفصلة عن هذا المسار، بل تمثل إحدى حلقاته الكبرى: انتقال العلاقة بين البلدين من شراكة تاريخية إلى شراكة تقوم على رؤية مشتركة لمستقبل المتوسط وإفريقيا.

يتبع في الفصل الرابع:

الاتفاقيات الأربع عشرة… كيف تتحول الشراكة المغربية الفرنسية من إعلان سياسي إلى منظومة نفوذ اقتصادي وأمني وتكنولوجي؟

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الفصل الثالث: لماذا أصبح ملف الصحراء المغربية عنوانا لإعادة ترتيب التحالفات الدولية؟

  1. كان ذلك منذ أن حدد المغرب النظارة التي ينبغي للكل أن ينظر بها ومن خلالها يحدد سياسته الإفريقية: ليقول للعالم: إنا الأفق المستقبلي لعالم الصناعة الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *