الفصل الخامس والأخير: المغرب وفرنسا وإفريقيا 2035… هل نحن أمام ولادة قطب استراتيجي جديد في غرب المتوسط؟

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

في نهاية المطاف، لا تُقاس أهمية التحالفات الدولية بما تعلنه في لحظة التوقيع، بل بما تستطيع أن تصنعه خلال السنوات التي تليها. فالتاريخ لا يحتفظ بالوثائق الدبلوماسية بقدر ما يحتفظ بالتحولات التي أحدثتها تلك الوثائق في موازين القوة. ومن هذا المنطلق، فإن الشراكة المغربية الفرنسية الجديدة تطرح سؤالا أكبر من حدود العلاقة الثنائية: هل نحن أمام إعادة تشكيل لمركز استراتيجي جديد في غرب المتوسط، تكون الرباط إحدى ركائزه الأساسية؟ الإجابة لا تكمن فقط في الاتفاقيات الموقعة، بل في السياق الدولي الذي جاءت فيه، وفي التحولات التي تجعل من المغرب اليوم لاعبا مختلفا عن صورته التقليدية. فالعالم يتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها المنافسة على المواقع الاستراتيجية، والتحكم في سلاسل الإنتاج، وتأمين الطاقة، وإدارة التحولات المناخية، وبناء النفوذ في القارة الإفريقية. وفي كل هذه الملفات، يملك المغرب عناصر تجعله مرشحا للعب دور متزايد.

أولا: المغرب في قلب التحول الأطلسي الجديد

خلال عقود طويلة، كان البحر الأبيض المتوسط هو المركز الرئيسي في الحسابات الأوروبية تجاه جنوبها. لكن السنوات الأخيرة أظهرت أن المحيط الأطلسي أصبح بدوره فضاء استراتيجيا متناميا. والسبب يعود إلى عدة عوامل:

– أهمية طرق التجارة البحرية.

– الحاجة إلى ممرات طاقة جديدة.

– صعود اقتصاد الهيدروجين الأخضر.

– أهمية الربط بين أوروبا وإفريقيا.

– تنامي الدور الاقتصادي لغرب القارة الإفريقية.

وهنا يظهر الموقع المغربي كعنصر حاسم. فالمملكة لا تقع فقط عند حدود أوروبا وإفريقيا، بل عند نقطة اتصال بين فضاءات استراتيجية متعددة:

– أوروبا.

– إفريقيا الغربية.

– العالم الأطلسي.

– الأسواق الأمريكية.

وهذا الموقع يمنحها إمكانية لعب دور “العقدة الجيو-اقتصادية” التي تربط هذه المناطق ببعضها.

ثانيا: إفريقيا… القارة التي ستحدد شكل القرن الحادي والعشرين

لم تعد إفريقيا هامشا في الحسابات الدولية. فالقارة تمتلك:

– ثروات طبيعية ضخمة.

– موارد طاقية مهمة.

– سوقاً بشرية متنامية.

– موقعا جغرافيا حاسما.

– إمكانات هائلة في الطاقات المتجددة.

ولهذا أصبحت القوى الكبرى تتنافس على بناء علاقات جديدة معها. لكن التحدي بالنسبة لأوروبا وفرنسا تحديدا هو أن القارة تغيرت. فالدول الإفريقية لم تعد تقبل بسهولة علاقات تقوم على منطق الماضي، بل تبحث عن:

– الاستثمار.

– نقل التكنولوجيا.

– خلق فرص العمل.

– بناء القدرات المحلية.

وهنا يمتلك المغرب ميزة مهمة، لأنه لا يدخل إلى إفريقيا من موقع قوة خارجية، بل من موقع دولة إفريقية لها تاريخ وروابط ومصالح مباشرة داخل القارة.

ثالثا: المغرب كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا

يمكن اختصار الدور المغربي المستقبلي في مفهوم واحد:

الوسيط الاستراتيجي بين الشمال والجنوب

فأوروبا تحتاج إلى إفريقيا بسبب:

– الطاقة.

– الأسواق.

– الموارد.

– النمو الديمغرافي.

وإفريقيا تحتاج إلى أوروبا بسبب:

– التكنولوجيا.

– الاستثمار.

– الخبرة الصناعية.

لكن العلاقة بين الطرفين تحتاج إلى جسور. وهنا يأتي المغرب. فالمملكة تستطيع أن تكون:

– منصة صناعية للشركات الأوروبية.

– مركزاً لوجستياً نحو إفريقيا.

– شريكاً في مشاريع الطاقة.

– فضاءً للتعاون العلمي والتكنولوجي.

وهذا هو أحد أهم أسباب اهتمام فرنسا بتعميق شراكتها مع الرباط.

رابعا: التحول من النفوذ الفرنسي التقليدي إلى الشراكة الأوروبية الإفريقية

تمر فرنسا بمرحلة إعادة تعريف لدورها الدولي. فالنموذج القديم القائم على النفوذ التاريخي في إفريقيا أصبح يواجه تحديات كبيرة. ولذلك فإن المستقبل لن يكون لمن يحاول الحفاظ على الماضي، بل لمن يستطيع بناء نموذج جديد. وفي هذا السياق، يمكن للمغرب أن يكون جزءا من هذه الصياغة الجديدة.

فالعلاقة المغربية الفرنسية قد تتحول من علاقة ثنائية إلى منصة أوسع تشمل:

– الاتحاد الأوروبي.

– دول غرب إفريقيا.

– مشاريع الطاقة.

– البنية التحتية.

– الأمن الإقليمي.

أي أن المغرب يمكن أن يصبح أحد مفاتيح الانتقال من علاقة “أوروبا مع إفريقيا” إلى علاقة “أوروبا عبر شراكات إفريقية موثوقة”.

خامسا: التحديات التي تواجه هذا المشروع الاستراتيجي

رغم الفرص الكبيرة، فإن الطريق ليس خاليا من التحديات.

1-تحدي التنفيذ

الاتفاقيات مهما كانت أهميتها تحتاج إلى:

– تمويل.

– حكامة.

– سرعة في الإنجاز.

– تقييم مستمر للنتائج.

فالفارق بين الدول التي تمتلك رؤية والدول التي تحققها هو القدرة على التنفيذ.

2- تحدي المنافسة الدولية

المغرب ليس الدولة الوحيدة التي تنظر إلى إفريقيا باعتبارها فضاء استراتيجيا. فهناك:

– الولايات المتحدة.

– الصين.

– الهند.

– تركيا.

– دول الخليج.

وجميعها تسعى إلى توسيع حضورها. وهذا يفرض على المغرب الحفاظ على مرونته وبناء شراكات متوازنة.

3-تحدي التنمية الداخلية

القوة الخارجية لأي دولة تبدأ من الداخل. ولكي يتحول المغرب إلى قوة إقليمية مكتملة، يحتاج إلى مواصلة:

– تطوير التعليم.

– دعم الابتكار.

– تقوية الصناعة الوطنية.

– تحسين التنافسية.

– تقليص الفوارق الاجتماعية.

فالدبلوماسية تحتاج إلى اقتصاد قوي يسندها.

سادسا: سيناريو المغرب 2035

إذا نجحت المملكة في تحويل شراكاتها الحالية إلى مشاريع إنتاجية كبرى، فقد نشهد خلال العقد القادم تحولا مهما في موقعها الدولي. سيناريو 2035 قد يتمثل في:

– المغرب مركزا رئيسيا للطاقة الخضراء بين أوروبا وإفريقيا.

– قاعدة صناعية متقدمة في غرب المتوسط.

– منصة رقمية وخدماتية للقارة.

– فاعل أمني رئيسي في منطقة الساحل.

– شريك أوروبي أساسي في الملفات الإفريقية.

لكن تحقيق هذا السيناريو يتطلب استمرار الإصلاحات الداخلية بنفس قوة الحضور الخارجي.

سابعا: الدبلوماسية الملكية ومنطق الدولة الاستراتيجية

تكشف التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة عن مفهوم جديد للدبلوماسية. فالدولة الاستراتيجية ليست الدولة التي تمتلك أكبر الموارد فقط، بل الدولة التي تعرف كيف تستخدم مواردها. والمغرب اعتمد على عناصر متعددة:

– التاريخ.

– الموقع.

– الاستقرار.

– العلاقات الدولية.

– التنمية.

– الانفتاح.

ومن خلال هذا المزيج، استطاع أن ينتقل من موقع الدفاع عن المصالح إلى موقع اقتراح الشراكات. وهنا تكمن أهمية الدبلوماسية الملكية: أنها لم تجعل السياسة الخارجية منفصلة عن المشروع الوطني، بل جعلتها امتدادا له. إن الاتفاقيات المغربية الفرنسية الجديدة ليست مجرد فصل جديد في تاريخ علاقة قديمة، بل تعبير عن تحول أعمق في طبيعة موقع المغرب داخل النظام الدولي. فالمملكة لا تبحث فقط عن علاقات جيدة مع القوى الكبرى، بل عن موقع يسمح لها بالمشاركة في صناعة التوازنات. وفرنسا، من جهتها، لا تبحث فقط عن الحفاظ على علاقة تاريخية، بل عن شريك قادر على مساعدتها في مواجهة تحديات عالم جديد. وبين الرباط وباريس تتشكل اليوم معادلة عنوانها: الاستقرار مقابل الاستثمار، الثقة مقابل المصالح، والشراكة مقابل منطق النفوذ القديم. لكن القيمة الحقيقية لهذه المرحلة ستتحدد بقدرة الطرفين على تحويل الرؤية السياسية إلى نتائج عملية: مشاريع، وظائف، ابتكار، أمن، وتنمية مشتركة. ففي عالم يتغير بسرعة، لا تنتصر الدول فقط بما تملكه، بل بما تستطيع أن تبنيه مع الآخرين. والمغرب، من خلال مساره الدبلوماسي خلال العقود الأخيرة، يقدم نموذجاً لدولة اختارت أن تحول موقعها الجغرافي إلى نفوذ سياسي، وأن تجعل من الشراكات الدولية أداة لتعزيز السيادة والتنمية. إنها ليست نهاية مسار، بل بداية مرحلة جديدة قد تجعل من غرب المتوسط أحد أهم مراكز التفاعل بين أوروبا وإفريقيا في القرن الحادي والعشرين.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *