بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
ما أغرب أن يجتمع في رحلة واحدة وجهان من وجوه التاريخ: ثورة تشتعل في صدور الرجال، وحجارة صامتة تشتعل في الخيال. خرج المأمون من بغداد لا يطلب كنزًا، ولا يقصد عجيبة من عجائب الدنيا، وإنما مضى يحمل سلطان الخلافة إلى مصر، وقد استعصى عليه أهل البشمور (أقباط مصر)، حتى أصبحت ثورتهم من أعنف ما واجهته الدولة العباسية في أرض الكنانة. وكانت تلك البلاد المغمورة بالمياه والقصب والمستنقعات حصنا طبيعيا، لا تنفذ إليه الجيوش إلا بعد عناء، ولا تعرف مسالكه إلا أقدام أهله.
ويقص علينا محمد بن يوسف الكندي، مؤرخ مصر الثقة، أن الخليفة لما قدم مصر لم يجد أمامه ثورة، بل وجد قوما استماتوا في الدفاع عن أرضهم، حتى اضطرت الخلافة إلى أن تأتي بنفسها، بعد أن عجزت الحملات عن إنهاء الأمر. ثم يذكر أن المأمون استدعى بطريرك الإسكندرية ديونيسيوس، ومعه بطريرك أنطاكية، رجاء أن تلين القلوب، وأن تنطفئ نار الحرب بالكلمة بعد أن أعيتها السيوف، ولكن الثورة كانت قد تجاوزت تلك المرحلة. ثم انحدرت الدولة بكل سلطانها، فدخلت البشمور، وسالت الدماء، وانفرط عقد الثورة، وأُخذ الأسرى، ورحِّل فريق منهم إلى العراق، حتى غدت بغداد تحمل بين أهلها رجالا اقتُلِعوا من مستنقعات الدلتا، كما اقتلعت الأشجار من ضفافها. ويشير الكندي إلى هذا الترحيل في سياق حديثه عن نهاية الثورة، وهي النهاية التي طوت صفحة كانت من أشد صفحات مصر اضطرابا في العصر العباسي.
غير أن مصر، كعادتها، لا تمنح زائرها قصة واحدة. فما إن فرغ المأمون من صخب البشر، حتى استوقفه صمت الحجر. هناك، عند الجيزة، قامت الأهرام كأنها جبال نسيت أن تنمو، أو كأن الزمان نفسه قد تجسد في صخور لا تعرف الفناء. لم تكن مجرد أبنية شاهقة، بل كانت سؤالا عظيما يحدق في وجه الخليفة، كما حدق من قبل في وجوه الملوك، وكما لا يزال يحدق في أعين الناس إلى اليوم. وهنا يطل علينا أبو الحسن المسعودي في مروج الذهب، لا مؤرخا للأحداث وحدها، بل جامعا لعجائب الأمم وأساطيرها. فيروي أن الناس كانوا يعتقدون أن حكماء مصر الأولين، لما خافوا انقلاب الأزمنة والطوفانات، جمعوا علومهم في تلك الأبنية؛ علوم النجوم، وأسرار العدد، وصناعة الطب، وأخبار الكواكب، والطلسمات، وودائع الذهب والجواهر، حتى إذا هلكت الأمم بقيت المعرفة نائمةً في جوف الحجر.
لم يكن المسعودي يقرر ذلك تقرير المؤمن به، وإنما كان ينقل ما شاع بين الناس، وما تناقلته الكتب القديمة، ليجعل القارئ يشهد كيف كانت الأهرام ترى في مخيلة القرون الإسلامية الأولى: خزائن للعلم قبل أن تكون خزائن للذهب. ولم يقنع المأمون بالرواية. أراد أن يمتحن الحجر نفسه. فأمر الصنّاع والفعلة أن ينقبوا في الهرم الأكبر. ولم يكن بابه المعروف اليوم ظاهرًا لهم، فوقفوا أمام كتلة من الصخر المصمت، لا تكاد ترى بين حجارتها موضع إبرة.ويصف المؤرخون مشقة ذلك العمل وصفا يكاد يجعل القارئ يسمع صليل الحديد على الصوان. كانوا يوقدون النّار على وجه الحجر ساعات، حتى إذا اشتد لهيبه صبوا عليه الخل أو الماء البارد، فيتصدع الصخر من اختلاف الحرارة، ثم تنهال عليه المعاول والأزاميل والفؤوس، فينتزع منه القليل بعد الكثير، حتى يعودوا فيفعلوا ذلك مرةً بعد مرة.
كان الهرم يقاومهم كما تقاوم القلاع جيوش الفاتحين. وكلّما تقدموا ذراعا، خيِّل إليهم أنهم اقتربوا من سرّ لم تطأه قدم منذ آلاف السنين. ثم دوّى صوت أجوف في أعماق البناء. فضرب العمال نحو موضع الصوت، حتى انفرج لهم ممر داخلي، والتقت الفتحة التي صنعوها بالممرات القديمة التي شيدها بناة الهرم الأوائل. ومنذ ذلك اليوم عرفت تلك الفتحة في كتب الآثار باسم “ثغرة المأمون”، وبقيت شاهدًا على فضول خليفة لم يرض أن يترك الحجر بلا سؤال. أما ما وجدوه، فهنا يفترق التاريخ عن الخيال. الكندي لا يحدثنا عن كنوز تتلألأ، ولا عن جواهر تملأ الأبصار. والمسعودي ينقل الروايات كما تناقلها الناس: هذا يزعم أنهم وجدوا تابوتا، وآخر يذكر تمثالا، وثالث يتحدث عن ذخائر وطلسمات، ورابع ينفي أن يكونوا وجدوا شيئا ذا بال.
وهكذا بقيت الأهرام أوفى لأسرارها من كل من حاول اقتحامها. ولعل هذا هو سرها الأعظم. فقد دخل إليها الملوك يطلبون الذهب، وخرجوا وليس بأيديهم إلا الحكايات. أما الذهب الحقيقي، فلم يكن في جوف الهرم، وإنّما كان الهرم نفسه؛ تلك الكتلة الهائلة التي هزمت الزمن، وأفلتت من يد الفناء، حتى صار الناس يختلفون في الكنوز التي أخفاها، ولا يختلفون في أنه أعظم كنز تركته الحضارة المصرية للإنسان. وهكذا عاد المأمون من مصر وقد أخمد ثورة أرهقت الخلافة، ولكنّه أشعل، من حيث لا يدري، ثورة أخرى لا تزال قائمة إلى اليوم: ثورة الأسئلة التي يثيرها الهرم في عقل كل من يقف أمامه، فيسأل كما سأل الخليفة العباسي منذ اثني عشر قرنا: أيّ عقل شيّد هذا؟ وأيّ يد رفعت هذه الحجارة إلى السماء؟ وأيّ سرّبقي في جوفها لم تستطع المعاول، ولا النار، ولا الخل، ولا الخليفة، أن تبلغ إليه؟
📲 Partager sur WhatsApp