بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاكن – الدنمارك
هزت حادثة وفاة المواطن المغربي المقيم في إيطاليا منذ أكثر من أربعين سنة مشاعر المغاربة داخل الوطن وخارجه، بعد انتشار مشاهد صادمة توثق لحظات مؤلمة انتهت بفقدان رجل لأنفاسه الأخيرة أثناء تدخل أمني في الشارع، وهي مشاهد لم تؤلم المغاربة فقط، بل أثارت تساؤلات واسعة لدى الرأي العام الدولي حول ظروف هذا التدخل وطبيعته ومدى احترام معايير حفظ الكرامة الإنسانية. إن خطورة هذه الواقعة لا تكمن فقط في وفاة مواطن مغربي في بلد الإقامة، وإنما في الطريقة التي وصلت بها تفاصيل الحادث إلى العالم عبر تسجيلات مصورة، جعلت ملايين الأشخاص يتابعون لحظات مأساوية ويطالبون بمعرفة الحقيقة كاملة.
فالمواطن المغربي الذي قضى أربعة عقود في إيطاليا لم يكن شخصا عابرا في مجتمع الإقامة، بل كان جزءا من نسيج هذا المجتمع، عاش فيه، وساهم في اقتصاده، وبنى علاقاته وحياته بين الإيطاليين. ولذلك فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط حول ظروف وفاته، وإنما حول مسؤولية المؤسسات في ضمان أن يحصل كل إنسان، مهما كانت جنسيته أو وضعه الاجتماعي، على المعاملة التي تحفظ كرامته وتصون حقه في الحياة. إن احترام القانون لا يكون إلا عبر القانون نفسه. وأيّ تدخل أمني، مهما كانت أسبابه أو دوافعه، يجب أن يظل خاضعا لمبادئ التناسب والضرورة واحترام حقوق الإنسان. فوظيفة رجال الأمن هي حماية الأرواح وتطبيق القانون، وليس أن تتحول لحظة توقيف إلى مأساة تنتهي بفقدان حياة إنسان.
ومن هنا تأتي أهمية فتح تحقيق نزيه وشفاف يكشف كل تفاصيل الواقعة: ظروف التدخل، ملابساته، هوية جميع الأشخاص الذين ظهروا في التسجيلات، سواء كانوا من أفراد الشرطة أو من المواطنين المتواجدين في المكان، والمسؤوليات المحتملة لكل طرف. إن مغاربة العالم ليسوا مجرد أرقام في سجلات الهجرة، ولا مجرد عابرين في مواسم العودة الصيفية. إنهم مواطنون يحملون ارتباطا عميقا بوطنهم، ومن حقهم أن يشعروا بأن كرامتهم مصانة أينما وجدوا، وأن صوتهم مسموع عندما يتعرضون لأي وضع يمس حقوقهم الأساسية.
ومن هذا المنطلق، فإن تحرك المؤسسات المغربية المختصة، وفي مقدمتها وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، يبقى أمرا منتظرا، ليس للتدخل في عمل القضاء الإيطالي، وإنما للتأكد من أن التحقيقات ستأخذ مسارها الطبيعي، وأن الحقيقة ستظهر كاملة، وأن حقوق المواطن المغربي ستظل محل اهتمام ومتابعة. كما أن صمت المؤسسات في مثل هذه القضايا قد يترك شعورا مؤلما لدى أفراد الجالية، خصوصا عندما تكون الحادثة موثقة بالصوت والصورة وتنتشر عبر العالم. فالمواطن في الغربة يحتاج إلى أن يشعر بأن وطنه يتابع قضاياه، وأن كرامته لا تتوقف عند حدود جغرافية معينة.
إن حماية مغاربة العالم ليست شعارا موسميا، ولا ملفا يفتح في فترات العبور والعطل، بل هي مسؤولية دائمة مرتبطة بمفهوم المواطنة. فكرامة المغربي أينما كان هي جزء من كرامة الوطن نفسه. رحم الله الفقيد، وألهم أسرته الصبر والسلوان. ويبقى الأمل أن تكشف التحقيقات الحقيقة كاملة، وأن تكون هذه الواقعة مناسبة لتعزيز احترام حقوق الإنسان، وترسيخ مبدأ أساسي: لا يمكن لأي روح بشرية أن ترحل دون أن يطالب العالم بمعرفة كيف ولماذا رحلت؟.
📲 Partager sur WhatsApp
رحم الله الفقيد، وألهم ذويه الصبر والسلوان.
هذه الحادثة المؤلمة ليست مجرد خبر عابر، بل جرس إنذار يدعو إلى إعادة النظر في واقع حماية الجاليات المغربية بالخارج. فالمغاربة الذين غادروا وطنهم بحثًا عن مستقبل أفضل لم يتخلوا يومًا عن انتمائهم، بل ظلوا سفراء للمغرب، يساهمون في تنمية بلدان الإقامة، ويدعمون اقتصاد وطنهم الأم بتحويلاتهم واستثماراتهم وارتباطهم الدائم به