بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس
تغيرت قواعد اللعبة في حروب القرن الحادي والعشرين. فلم تعد المعركة تبدأ عند حدود الخنادق، بل قبل ذلك بكثير، في صمت الأقمار الصناعية، وفي نبض الشبكات الإلكترونية، وفي قدرة طرف على رؤية خصمه قبل أن يراه. إن مفهوم السيادة الجوية لم يعد مجرد امتلاك طائرات متفوقة، بل أصبح منظومة كاملة تجمع بين الاستخبارات الدقيقة، والقدرة على التشويش، والحرب الإلكترونية، والضربات بعيدة المدى. من يملك السماء لا يملك فقط مجال الحركة، بل يملك القدرة على فرض إيقاع الحرب، وتحويل خصمه من لاعب إلى هدف ينتظر دوره في قائمة الضربات.
في النموذج الإيراني، تكشف طبيعة المواجهة عن انتقال الحرب من صراع بين جيوش تقليدية إلى مواجهة بين منظومات. فاستهداف مراكز القيادة والقدرات العسكرية في بداية النزاع، وفق الروايات والتقارير المتداولة، يعكس عقيدة عسكرية معروفة تقوم على شل الرأس قبل ضرب الأطراف. إنها فلسفة “قطع الأعصاب” التي تهدف إلى خلق فراغ قيادي قبل أن يبدأ الخصم في تنظيم رد فعله. لكن الحرب الحديثة لا تحسم دائما في الضربة الأولى. فحتى أكثر الحملات الجوية تفوقا تواجه اختبار الصمود عندما تدخل في مرحلة الاستنزاف. فالخصم الذي يفقد جزءا من قدراته لا يعني بالضرورة أنه فقد القدرة على الرد. وقد أظهرت التجارب العسكرية عبر التاريخ أن الدول والجماعات قد تحتفظ بأدوات ضغط حتى بعد تعرضها لضربات قاسية.
ومن هنا تأتي أهمية البعد الإلكتروني. فالمعركة الحقيقية قد لا تكون دائما في السماء المرئية، بل في الفضاء غير المرئي للشبكات والاتصالات وأنظمة الدفاع. فقبل أن تصل الطائرة إلى هدفها، تكون هناك حرب صامتة تدور في الظلال: حرب على المعلومات، وعلى القدرة على الرصد، وعلى القرار العسكري نفسه. في المقابل، تعتمد إيران على استراتيجية مختلفة تجمع بين الرد المباشر والرد الرمزي. فالصواريخ ليست فقط أدوات عسكرية، بل رسائل سياسية أيضا. كل ضربة تحمل معها محاولة لإثبات أن الدولة، مهما كانت الخسائر، لا تزال تملك القدرة على الفعل. وفي الحروب الكبرى تصبح الرسائل جزءا من المعركة مثلها مثل الأسلحة.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الجبهة الخارجية، بل في الداخل أيضا. فغياب القيادة أو ضعف صورتها أمام الجمهور يمكن أن يتحول إلى نقطة ضغط استراتيجية. فالسلطة لا تقوم فقط على المؤسسات، بل أيضا على الرمزية، وعلى قدرة القائد على الظهور كعنوان للاستقرار والقوة. وعندما يصبح الحضور الجسدي غائبا، يبدأ سؤال الشرعية في الظهور. لقد أثبت التاريخ أن الأنظمة لا تنهار دائما بسبب الضربة الأقوى، بل أحيانا بسبب تراكم الشكوك. فالفراغ السياسي يشبه صدعا صغيرا في جدار ضخم، قد لا يسقط المبنى في اللحظة الأولى، لكنه يكشف نقاط الضعف التي كانت مخفية.
الحرب بين التفوق الجوي والرد الصاروخي ليست مجرد مواجهة بين أسلحة، بل مواجهة بين نموذجين من القوة. نموذج يرى السيطرة في القدرة على الرؤية والضرب من بعيد، ونموذج يرى البقاء في القدرة على التحمل والرد حتى تحت الضغط. وبين النموذجين تبقى الحرب الحديثة ساحة معقدة لا ينتصر فيها من يملك السلاح الأقوى فقط، بل من يملك القدرة على تحويل القوة إلى نتيجة سياسية. السماء لم تعد مجرد فضاء للطائرات، بل أصبحت عرشا جديدا للسيادة. ومن يسيطر على السماء والبيانات والقرار يقترب من امتلاك مفاتيح الحرب. لكن التاريخ يعلمنا أن أكثر الجيوش تقدما قد تربح المعارك، بينما تبقى نتيجة الصراع رهينة سؤال أكبر: من يستطيع أن يصنع السلام بعد انتهاء هدير السلاح؟
📲 Partager sur WhatsApp