المغرب : من حارس المضيق إلى مهندس المحيط

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

ليست الأمم العظيمة هي التي تبني الموانئ، بل هي التي تجعل البحار تعيد التفكير في طرقها. وليس المغرب اليوم بصدد تشييد أرصفة جديدة على سواحله، وإنما يعيد كتابة السيرة الذاتية للمحيط الأطلسي نفسه، كأن البحر الذي ظل آلاف السنين مجرد مسرح لعبور السفن، بدأ فجأة يكتشف أنه يستطيع أن يصبح مؤلف التاريخ لا قارئه. هناك لحظات نادرة في حياة الأمم لا يتغير فيها الاقتصاد، بل تتغير الجغرافيا ذاتها. وما يحدث اليوم على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق ليس توسعة لميناء، ولا إنشاء لخط سككي، ولا مد أنبوب غاز. إن ما يجري أشبه بعملية نقل قلب كاملة للقارة الإفريقية، حيث لم يعد النبض يأتي من الداخل نحو الساحل، بل أصبح الساحل هو الذي يضخ الحياة إلى الداخل، حتى أعماق الساحل الإفريقي والصحراء الكبرى. لقد اعتدنا أن ننظر إلى الخرائط كما ينظر الإنسان إلى جلد الأرض. أما المغرب، فقد قرر أن ينظر إليها كما ينظر الطبيب إلى شبكة الأعصاب. وهنا يبدأ الفارق بين دولة تستثمر في البنية التحتية، ودولة تعيد اختراع معنى الموقع الجغرافي.

كان مضيق جبل طارق عبر التاريخ بوابة تعبر منها الإمبراطوريات. الرومان مروا منه. العرب مروا منه. الإسبان والبرتغاليون والبريطانيون جعلوه عقدة السيطرة على المتوسط. لكن أحدا لم يفكر يوما أن المضيق ليس بوابة بين بحرين، بل بوابة بين زمنين. فالمتوسط كان دائما بحر التاريخ. أما الأطلسي فهو بحر المستقبل. ومن يستطيع أن يقف فوق العتبة الفاصلة بين التاريخ والمستقبل، لا يتحكم في الملاحة فقط، بل في اتجاه الحضارة. ولهذا لم يعد طنجة المتوسط مجرد ميناء. إنه يشبه ساعة كونية تدق عقاربها بالحاويات. كل سفينة تدخل إليه ليست ناقلة بضائع، بل رسالة تقول إن الجغرافيا بدأت تغير لغتها.

في الماضي، كانت الموانئ تنتهي عند البحر. أما اليوم، فإن الميناء الحقيقي يبدأ بعد أن تغادره السفينة. ذلك لأن القيمة لم تعد تقاس بعدد الأرصفة، بل بعدد القارات التي يستطيع الميناء إعادة تشكيل اقتصادها. وهنا يكمن المشروع المغربي. طنجة ليست النهاية. إنها الفاصلة الأولى في جملة أطلسية طويلة تبدأ عند المتوسط، وتعبر المحيط، ثم تنزل جنوبا حتى حيث تبدو الصحراء وكأنها بحر آخر من الرمال. إن المغرب لا يبني ممرا تجاريا. إنه يبني نهرا جيوسياسيا فوق اليابسة. نهر لا يجري بالماء، بل بالحاويات، والألياف البصرية، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد.

لطالما كانت إفريقيا قارة تنتهي عند سواحلها. وكانت موانئها مثل نوافذ تطل على العالم دون أن تغيره. أما اليوم، فإن المغرب يحاول أن يقلب المعادلة رأسا على عقب. القارة لم تعد تنظر إلى البحر. لقد أصبح البحر هو الذي ينظر إلى إفريقيا. وهذا انقلاب فلسفي قبل أن يكون انقلابا اقتصاديا. لأن البحر، في النهاية، ليس مياها. إنه اتجاه. ومن يغير اتجاه البحر، يغير اتجاه الثروة. لهذا يبدو ميناء الداخلة الأطلسي وكأنه أكثر من مشروع هندسي. إنه إعلان بأن الأطلسي لم يعد هامشا جغرافيا، بل أصبح المسرح الرئيسي للعالم. فبعد أن تحولت البحر الأحمر إلى مساحة تتقاطع فيها النيران أكثر مما تتقاطع السفن، عاد الأطلسي ليقدم نفسه باعتباره المحيط الأكثر هدوءا، والأكثر قابلية لاستقبال القرن الجديد. وكأن المحيط نفسه يقول للعالم: الطريق إلى المستقبل لم يعد يمر حيث اعتدتم النظر.

لكن الحديد وحده لا يصنع التاريخ. فالخرسانة تستطيع أن تحمل الجسور، لكنها لا تستطيع أن تحمل الثقة. والقوانين هي الإسمنت الخفي الذي يمنع المشاريع العملاقة من الانهيار. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كم سيبلغ طول السكك الحديدية. بل كم يبلغ عمق المؤسسات التي ستحرسها. فكل ميناء يحتاج إلى قضاة بقدر حاجته إلى رافعات. وكل خط غاز يحتاج إلى الثقة أكثر مما يحتاج إلى الفولاذ. وكل مستثمر يقرأ نصوص القانون قبل أن يقرأ خرائط الموانئ. لهذا تصبح الحوكمة هي الهندسة غير المرئية للدول. فالأنفاق تبنى تحت الأرض. أما الثقة فتبنى تحت الزمن. وإذا كانت الإمبراطوريات القديمة تقاس بعدد القلاع، فإن الإمبراطوريات الجديدة تقاس بعدد العقد اللوجستية التي تمر عبرها حياة الآخرين. لقد انتقل العالم من جغرافيا الاحتلال إلى جغرافيا الاعتماد المتبادل. في الأمس كان الجنرال يبحث عن المرتفعات. أما اليوم فإن المستثمر يبحث عن العقدة اللوجستية. والفارق بين الاثنين هو الفارق بين من يحتل الأرض، ومن يجعل الأرض تحتاج إليه.

إن أنبوب الغاز المغربي النيجيري ليس أنبوبا للطاقة. إنه شريان يعيد رسم الدورة الدموية للقارة. والسكك الحديدية ليست وسيلة نقل. إنها جهاز عصبي جديد لإفريقيا. أما الموانئ، فلم تعد أرصفة للحاويات. بل أصبحت رئات تتنفس بها القارات. وحين تكتمل هذه الشبكة، لن تكون إفريقيا قد حصلت على ممر جديد فقط. بل ستكون قد استعادت لأول مرة منذ قرون حقها في أن تحدد بنفسها اتجاه الرياح. وربما هنا تكمن العبقرية الحقيقية. فالمغرب لا ينافس أحدا على البحر. إنه ينافس الزمن. يعرف أن القرن الحادي والعشرين لن يكون قرن الدول التي تملك أكثر الموارد، بل قرن الدول التي تتحكم في حركة الموارد. فالثروة لم تعد تسكن المناجم. إنها تسكن الطرق. والقوة لم تعد تولد في حقول النفط. بل تولد عند التقاطعات التي تلتقي فيها السفن بالقطارات، والبيانات بالطاقة، والقانون بالجغرافيا.

ربما سيأتي يوم ينظر فيه المؤرخون إلى هذه المرحلة بالطريقة نفسها التي ننظر بها اليوم إلى افتتاح قناة السويس. لكنهم سيكتبون شيئا أكثر غرابة. سيقولون إن المغرب لم يحفر قناة في البحر… بل حفر ممرا داخل مفهوم الجغرافيا نفسه. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد إفريقيا قارة تقع جنوب أوروبا. بل أصبحت أوروبا هي التي تقف على العتبة الشمالية للمشروع الإفريقي. وهناك، عند تلك اللحظة التي انقلبت فيها الخرائط كما تنقلب السماء في المرآة، لم يعد المغرب مجرد دولة تطل على محيطين. بل أصبح المحيطان نفسيهما يتطلعان إلى المغرب، ينتظران منه أن يخبرهما إلى أين ينبغي أن يسير العالم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *