بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
في زمن أصبحت فيه الشاشة نافذة مفتوحة على كل الاحتمالات، لم يعد القمر مجرد ذلك الجسد الفضي الذي يرافق ليالي العشاق والشعراء. لقد دخل فجأة إلى مسرح الحكايات الكبرى، وارتدى عباءة الأسرار، وتحول في بعض زوايا العالم الرقمي إلى قصر كوني مهجور تهمس جدرانه بحكايات عن مدن مخفية، ومختبرات غامضة، وسكان لا تراهم التلسكوبات. يا لها من مفارقة عجيبة! الإنسان الذي أمضى قرونا ينظر إلى القمر بحثا عن الإلهام، قرر في لحظة من خيال جماعي جامح أن يفتح بابه ويدخل. لم يعد القمر حجرا باردا يدور في صمت، بل أصبح في الروايات المتداولة على منصات التواصل كائنا عجوزا يخفي وراء وجهه الرمادي حضارة تنتظر من يكتشفها.
في هذا المسرح الرقمي، حيث تختلط الحقيقة بالأسطورة كما تختلط الألوان في حلم طويل، ظهرت حكايات تقول إن القمر ليس قمرا، بل سفينة كونية عملاقة، وإن تضاريسه ليست آثار اصطدامات نيزكية، بل هندسة غامضة تركها مهندسون من عوالم بعيدة. إنها أفكار تشبه رسائل وضعت في زجاجات، ثم قذفتها أمواج الإنترنت لتصل إلى شواطئ العقول الباحثة عن الدهشة. لكن المدهش ليس فقط غرابة القصة، بل قدرة الخيال البشري على صناعة قارات كاملة فوق محيط من الفراغ. فالإنسان، منذ فجر التاريخ، كان ينظر إلى السماء ويرسم عليها ما يخشاه وما يحلم به. جعل النجوم آلهة، وجعل الكواكب ممالك، واليوم يجعل من الصور البعيدة على الشاشات أبوابا محتملة لحضارات خفية.
القمر في هذه الروايات يشبه مرآة بورخيس السحرية؛ لا تعكس وجهنا فقط، بل تكشف رغبتنا العميقة في ألا يكون الكون صامتا. ربما يصعب على الإنسان تقبل فكرة أن المسافات الهائلة بين النجوم قد تكون خالية من الهمسات، لذلك يملؤها بالقصص كما يملأ الطفل غرفة مظلمة بالأشباح والملائكة. غير أن العلم يقف في الطرف الآخر من المسرح حاملا مصباحه الهادئ. فهو لا يطرد الخيال، لكنه يطلب منه بطاقة مرور. فالفكرة، مهما كانت ساحرة، تحتاج إلى دليل، والصورة، مهما بدت غامضة، تحتاج إلى تفسير، والسر، مهما كان جميلا، لا يصبح حقيقة لمجرد أنه يسكن في قصر الخيال.
المشكلة في عصرنا ليست أن الناس يحلمون، فالأحلام هي الوقود الأول للمعرفة والاكتشاف. المشكلة أن بعض الأحلام تخرج من حديقة الخيال وترتدي ثوب الحقيقة دون أن تمر عبر بوابة البرهان. وهنا تولد الخرافة الحديثة: ليست خرافة الكهوف القديمة، بل خرافة عالية الدقة، مصنوعة من صور رقمية، وعناوين مثيرة، وسرعة انتشار لا تمنح الشك وقتا كي يستيقظ. إن القمر الحقيقي ربما أقل غرابة من القمر الذي تصنعه الشائعات. فذلك الجرم الصامت الذي يرافق الأرض منذ مليارات السنين يحمل في ذاته قصة مذهلة بما يكفي: قصة نشوء الكواكب، وتاريخ الكون، ورحلة الإنسان الأولى خارج موطنه. لا يحتاج إلى مدن وهمية كي يصبح عظيما.
ومع ذلك، تبقى هذه الحكايات الطريفة شاهدا على شيء عميق: أن الإنسان لا يبحث فقط عن المعلومات، بل يبحث عن الدهشة. يريد أن يشعر أن وراء الستار أسرارا، وأن الليل ليس مجرد ظلام، وأن الكون كتاب لم تفتح كل صفحاته بعد. وربما يكون أجمل ما في الأمر أن القمر، رغم كل القصص التي نسبت إليه، ما زال يحتفظ بابتسامته الباردة في السماء. لا ينفي ولا يؤكد، لا يغضب ولا يشرح. يترك البشر يتجادلون تحته، ثم يواصل دورانه الهادئ، كحكيم قديم يعرف أن بعض الأساطير تولد من جوع الإنسان إلى المعجزة، وأن بعض الحقائق نفسها كانت يوما ما مجرد أحلام بعيدة تنتظر من يثبتها. ولعلّ هذا هو الدرس الأجمل: أن الدهشة لا تتعارض مع العقل، وأن الخيال لا يفقد قيمته حين يبقى خيالا، بل يزداد جمالا عندما يلهمنا للبحث، لا للتصديق الأعمى. فالقمر سيظل يضيء ليالينا، سواء كان مصدرا للشعر، أو هدفا للعلم، أو مرآة تعكس ذلك الفضول الإنساني الذي لا ينطفئ أبدا.
📲 Partager sur WhatsApp