محبّة علي بن أبي طالب شيء، والتشيّع شيء آخر

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء

ثمّة أخطاء لا تولد من الجهل، بل من التكرار. وما أكثر القضايا التي تحولت مع الزمن إلى مسلمات، لا لأن البرهان أقامها، وإنما لأن الألسنة ألفتها، حتى غدا الخطأ أشبه بحقيقة تتوارثها الأجيال. ومن أكثر هذه الأخطاء شيوعا اختزال التشيع في محبة الإمام علي بن أبي طالب، أو في الثناء على سيرته، أو في الميل إلى عدله، أو في الانتصار له في صفحات التاريخ. وهذا اختزال لا يصمد أمام الفلسفة، ولا أمام علم العقائد، ولا أمام التاريخ. فمحبّة علي شيء، والتشيع شيء آخر. والفرق بينهما ليس فرقا في الدرجة، وإنما في الطبيعة.

إنّ عليا ليس ملكا للشيعة، كما أن سقراط ليس ملكا للفلاسفة الرواقيين، ولا ابن رشد ملكا للأندلسيين، ولا غاندي ملكا للهند وحدها. الشخصيات العظمى تغادر حدود الجماعات لتصبح ملكا للضمير الإنساني. وكلما اتسعت عبقرية الإنسان، ضاقت القدرة على احتكاره. لقد أصبح علي بن أبي طالب، بما تركه من إرث أخلاقي وسياسي وروحي، شخصية تتجاوز الانتماءات المذهبية. إنّنا تستطيع أن تحبّ عدله، وأن تعجب بفصاحته، وأن ننحاز إلى زهده، وأن نرى فيه أحد أعظم رجالات التاريخ الإسلامي، من غير أن نكون شيعيين، تماما كما تستطيع أن نعجب بعمر بن عبد العزيز من غير أن تكون أمويا، أو بابن خلدون من غير أن تكون مؤرخا.

وهنا تبدأ الفلسفة حيث تنتهي الشعارات. إنّ العقيدة لا تبنى على العاطفة، وإنّما على منظومة من الأصول العقدية. ولذلك فإنّ التشيّع، في معناه العقدي عند الإمامية الاثني عشرية، ليس مجرد إعلان محبة لعلي، بل هو إيمان بجملة من الأصول، في مقدمتها الاعتقاد بإمامة الأئمة الإثني عشر بالنص، والإيمان بعصمتهم، وأنّهم محفوظون من الخطأ والزّلل في تبليغ الدّين وبيانه بحسب البناء العقدي لهذا المذهب. وهذا هو الفارق الذي يغيب عن كثير من الناس. فالذي يحبّ عليا لا يصبح بمجرد ذلك شيعيا، كما أنّ الذي يحبّ المسيح لا يصبح بالضرورة مسيحيا، والذي يعجب بفلسفة بوذا لا يصبح بوذيا.

إنّ الإعجاب قيمة وجدانية، أمّا الانتماء العقدي فبناء معرفي كامل. ولعلّ التاريخ نفسه يقدم شاهدا لا يستطيع أحد تجاهله. ففي العصر العباسي، كان الخليفة المأمون شديد الميل إلى تفضيل علي بن أبي طالب، حتى إنّه اتخذ مواقف سياسية وفكرية اعتبرت منحازة إلى آل البيت، وذهب إلى حد إلزام الناس، في بعض الروايات التاريخية التي أوردها عدد من المؤرخين، بإظهار البراءة من معاوية بن أبي سفيان، وأعلن تفضيل علي عليه، بل وجعل الإمام علي الرضا وليا للعهد، في واحدة من أكثر الخطوات إثارة في التاريخ العباسي. ومع ذلك، لم يقل أحد من علماء الإمامية إن المأمون كان شيعيا بالمعنى العقدي. ولماذا؟ لأن الرجل، رغم كل مواقفه السياسية، لم يكن يقول بعصمة الأئمة، ولم يدخل في المنظومة العقدية التي يقوم عليها التشيع الإمامي. وهنا تنهار المقولة الشعبية التي تجعل محبة علي مرادفا للتشيع. ولو كانت المحبة وحدها معيارا، لكان المأمون أول الشيعة. ولو كان الثناء وحده دليلا، لدخل في التشيع عشرات المؤرخين والمحدثين والفقهاء من أهل السنة الذين أفاضوا في ذكر مناقب علي وفضائله.

لقد ألّف الإمام أحمد بن حنبل كتابا في فضائل الصحابة، وروى من مناقب علي ما لم يروه في غيره. ونقل النسائي كتابه الشهير “خصائص علي”، حتى تعرض للأذى بسبب عنايته بفضائل الإمام. وامتلأت كتب الذهبي، وابن حجر، وابن عبد البر، وغيرهم، بالنقول التي تمجّد علم علي وشجاعته وعدله وزهده. فهل أصبح هؤلاء شيعة؟ الجواب معروف. لأنّهم ميزوا بين المحبة بوصفها فضيلة، وبين الاعتقاد بوصفه مذهبا. إن أخطر ما يفعله العقل حين يكسل، أنه يستبدل التعريفات بالانطباعات. وهكذا تتحول الكلمات إلى أقفاص، ويدخل الناس إليها بلا محاكمة عقلية. كل من مدح عليا قيل عنه شيعي. وكل من انتقد معاوية قيل عنه شيعي. وكل من تحدث عن مظلومية أهل البيت قيل عنه شيعي. وهذا منطق لا يعرفه علم الكلام، ولا يقبله المنهج الفلسفي.

إنّ الهوية العقدية لا تحدّد بالمشاعر، وإنّما بالبنية الفكرية التي يؤمن بها الإنسان. ولو جعلنا المحبّة وحدها معيارا، لانتهت الحدود بين المذاهب كلها، ولأصبح التاريخ مجرد قاموس للمشاعر، لا علما للأفكار. إنّ عليا أكبر من أن تحتكره طائفة، وأوسع من أن يختزل في عنوان مذهبي. إنّه أحد القمم الإنسانية النادرة التي يلتقي عندها المختلفون، ويختلف عندها المتفقون. يحبّه السني لصحبته وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضائله. ويحبّه الشيعي لأنه الإمام الأول في منظومته العقدية. ويحبّه المتصوف لما يمثله من صفاء روحي. ويحبّه الفيلسوف لما يختزنه من حكمة عقلية. ويحبّه الأديب لأن كلماته ما تزال إلى اليوم تتوهج كما تتوهج الشهب في ليل اللغة.

إنّ العظمة الحقيقية لا تصنع أتباعا فقط، وإنما تصنع معجبين من خارج الدوائر كلّها. ولهذا فإنّ اختزال علي في التشيع ظلم لعلي قبل أن يكون خطأ في تعريف التشيّع. فالرجال العظام لا تسكنهم الطوائف، بل تسكنهم الإنسانية. ولعلّ أعظم انتصار للعقل أن يفرق بين المحبة بوصفها قيمة أخلاقية، وبين الانتماء بوصفه اختيارا عقديا. فحين تختلط القيم بالعقائد، يصبح التاريخ رهينة للأحكام المتعجلة، وتتحوّل الشخصيات الكبرى إلى شعارات تتقاذفها الانتماءات، بينما هي في حقيقتها أرحب من كل التصنيفات، وأبقى من كل الاصطفافات.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *