كرة القدم ليست لحية على وجه الرجل

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء

ليست كل الحروب تولد من أجل الأرض، ولا كل الأسوار تبنى من الحجارة. هناك أسوار لا تراها العين، لكنّها أكثر صلابة من الحديد، لأنها مشيدة داخل العقول. ومن أغرب هذه الأسوار ذلك الجدار الوهمي الذي أقامه بعض الرجال حول كرة القدم، حتى بدت وكأنها إرث وراثي يسري في الدم، أو وشم أزلي محفور على جبين الذكورة. كلما تحدثت امرأة عن كرة القدم، خرج من بين الأنقاض سؤال يشبه شرطي الحدود وهو يفتش جوازات العابرين: اذكري خمسة لاعبين. ليس السؤال اختبارا للمعرفة، بل طقسا من طقوس الإقصاء، ومحاولة لإغلاق باب لا يملك أحد مفتاحه. وكأن الكرة لم تعد لعبة، بل أصبحت ديرا مغلقا، لا يسمح بالدخول إليه إلا لمن يحمل ختم الذكورة.

غير أن الفلسفة تبدأ حين نشكك في المسلمات. هل خلقت كرة القدم من ضلع الرجل؟ هل نزلت من السماء مرتدية قميصا يحمل اسما ذكوريا؟ هل أوصى التاريخ بأن يكون العشب الأخضر ميراثا بيولوجيا للذكور وحدهم؟ الجواب لا يحتاج إلى ملعب، بل إلى عقل. فالرياضة لا تعرف الكروموسومات، والكرة لا تقرأ الهويات، والمرمى لا يسأل القدم التي تهزه إن كانت قدم رجل أو امرأة. إن الذي صنع هذه الصورة ليس الطبيعة، بل الثقافة. فالطبيعة لا تكتب القوانين الاجتماعية، وإنّما الإنسان هو الذي يكتبها، ثم ينسى بعد ذلك أنّه هو مؤلفها، فيتعامل معها وكأنها نزلت مع المطر، أو خرجت مع دوران الكواكب.

لقد تحولت كرة القدم، عبر قرون من البناء الاجتماعي، إلى آخر القلاع التي احتمى بها بعض الرجال بعد أن تقاسمت المرأة معهم الجامعات، والمحاكم، والمستشفيات، والطائرات، والمختبرات، ومراكز القرار. وحين لم يبق سوى المستطيل الأخضر، جرى التعامل معه وكأنه آخر جزيرة نجت من طوفان المساواة. إن القضية ليست كرة قدم. القضية سلطة. وليست سلطة على الملعب، بل سلطة على المعنى. فالإنسان لا يدافع دائما عما يحب، بل كثيرا ما يدافع عما يمنحه الشعور بالتفوق.

ولهذا فإنّ بعض الرجال لا يغضبون لأن امرأة أخطأت في تحليل مباراة، وإنما يغضبون لأنها تجرأت على الجلوس فوق المقعد الذي كانوا يعتقدون أنه صنع على مقاسهم وحدهم. إنّهم لا يحرسون المرمى. إنهم يحرسون الوهم. وفي علم الاجتماع، لا توجد هيمنة أخطر من الهيمنة التي تتخفى في هيئة عادة. فالعادة تتحول مع الزمن إلى دين اجتماعي صغير، ومن يعترض عليها يبدو كأنه يعترض على قوانين الكون. ولهذا لا يسأل أحد رجلا: لماذا تحب كرة القدم؟ لكن المرأة مطالبة دائما بأن تشرح، وأن تبرر، وأن تقدم الأدلة، وأن تجتاز الامتحان، وكأنها متهمة حتى تثبت براءتها. إنّها المحاكمة التي لا تنتهي. محكمة بلا قاض، وبلا قانون، وبلا حكم نهائي. يكفي أن تدخل امرأة إلى نقاش كروي حتى تتحول فجأة إلى أطروحة يناقشها الجميع.

والمفارقة التي تكاد تبلغ حدود العبث، أنّ الرجل الذي يطالب امرأة بذكر خمسة لاعبين، قد يعجز هو نفسه عن تفسير قاعدة التسلّل، أو عن قراءة التحولات التكتيكية داخل المباراة. لكنّه لا يشعر بالحاجة إلى إثبات شرعيته، لأنّ المجتمع منحه هذه الشرعية منذ ولادته، تماما كما يمنح البحر الأمواج حقّ الحركة دون أن يطالبها بشهادة ميلاد. إن كرة القدم لم تولد في رحم الذكورة. لقد ولدت في رحم الشغف. والشغف لا جنس له. إنه يشبه المطر. يسقط على الجميع. ومن شاء أن يبتل، ابتل. ومن شاء أن يبقى تحت السقف، فذلك اختياره. ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن البشرية وثقت للمرأة قيادة الجيوش، وإدارة الدول، واكتشاف أسرار الذرة، واستكشاف الفضاء، وإجراء أدق العمليات الجراحية، لكنها ما زالت عند بعض العقول مطالبة بإثبات أهليتها للحديث عن مباراة تدوم تسعين دقيقة. أي مفارقة أكثر غرابة من هذه؟

إنها ليست مفارقة. إنها أسطورة. والأساطير لا تعيش لأنّها صحيحة، بل لأنها تتكرر. إنّ كرة القدم ليست لحية نبتت على وجه الرجل. وليست شامة أبدية في جيد الذكورة. وليست مملكة ورثها الأبناء عن الآباء. إنّها فراشة هبطت ذات يوم فوق العشب، فأراد بعضهم أن يحبسها في قفص اسمه الرجل، بينما أصرّت الفراشة على أن تظلّ ملكا لكلّ من يملك القدرة على الدهشة. فالعشب لا يسمع الأصوات، بل يشعر بالخطوات. والكرة لا تحفظ أسماء أصحاب الأقدام، بل تحفظ فقط جمال اللمسة. والمرمى لا يعرف إن كانت الصرخة التي هزته خرجت من حنجرة رجل أو امرأة. إنّه يفتح ذراعيه لكلّ هدف، كما تفتح السماء نافذتها لكل طائر. ولعلّ السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: لماذا تحب المرأة كرة القدم؟ بل: لماذا يخاف بعض الرجال من امرأة تحبّها؟ هناك فقط يبدأ علم الاجتماع. وهناك فقط يبدأ فهم الإنسان.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *