بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء
ليست السياسة دائما ما تقوله البيانات الرسمية، بل ما تخفيه لحظة الصمت بين بيانين. وليس التاريخ ما يقع على الأرض فحسب، بل ما يتشكل في الفراغ بين إرادتين متعبتين. لذلك، فإن اقتراح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي فتح الباب مجددا أمام لقاء مع فلاديمير بوتين لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مبادرة سلام عابرة، ولا تنازلا مفاجئا، ولا انعطافة أخلاقية، بل بوصفه أحد أكثر المناورات الجيوسياسية تعقيدا منذ اندلاع الحرب. لقد وصلت الحرب إلى المرحلة التي لم تعد فيها البنادق تصنع الوقائع وحدها، بل أصبحت الوقائع نفسها تستهلك البنادق. الجيوش ما تزال تتقدم وتتراجع، لكن الخرائط بدأت تستنزف أصحابها أكثر مما تستنزف خصومهم. هنا تحديدا يتحول السياسي من قائد لمعركة إلى مهندس لزمن جديد. زيلينسكي يدرك أن الحروب لا تنتهي عندما ينهزم أحد الطرفين، وإنما عندما يقتنع الطرفان أن الزمن نفسه أصبح عدوا ثالثا.
ثمة استعارة قديمة تقول إن الحكم يشبه النجوم؛ لا يموت حين تنطفئ، بل حين يتوقف الضوء عن الوصول إلى الآخرين. والحرب الروسية الأوكرانية أصبحت نجما متعبا. لم تعد مركز الكون كما كانت في عاميها الأولين. فالعالم الذي كان يدور حول كييف أصبح يدور اليوم حول أزمات متزاحمة: الشرق الأوسط، المنافسة الأمريكية الصينية، اضطرابات الاقتصاد العالمي، سباقات الذكاء الاصطناعي، وأمن الطاقة. وسط هذا الزحام، بدأت أوكرانيا تشعر بأن كاميرات العالم تتحرك ببطء نحو مسارح أخرى. وفي السياسة، عندما تتحرك الكاميرا، يتحرك معها التمويل والسلاح والاهتمام. ولهذا، فإن زيلينسكي لا يحاول فقط فتح باب التفاوض مع موسكو، بل يحاول إعادة أوكرانيا إلى مركز العدسة الدولية.
اللافت أن المبادرة جاءت بعد حديث مع مبعوثين مقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وهذه ليست مصادفة بروتوكولية. ترامب لا ينظر إلى الحرب بعين المؤسسة الأمريكية التقليدية. هو ينظر إليها بعين رجل الأعمال الذي يقيس الحروب كما تقاس الشركات الخاسرة: كم تكلف؟ وكم يمكن أن تربح؟ ومتى يجب إغلاق الملف؟ إن عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعادت تعريف الزمن السياسي للحرب. لم يعد السؤال: كيف تنتصر أوكرانيا؟ بل أصبح السؤال: كيف يمكن إنهاء الحرب بطريقة يستطيع كل طرف أن يعلن فيها أنه لم يخسر بالكامل؟ وهنا تتحول الدبلوماسية إلى فن صناعة الأوهام المقبولة.

أما موسكو، فهي الأخرى ليست في الموقع الذي كانت فيه قبل سنوات. لقد اكتشفت أن السيطرة على الأرض أسهل بكثير من السيطرة على المستقبل. يمكن للجيوش أن تستولي على المدن. لكنها لا تستطيع احتلال الزمن. فكل شهر إضافي من الحرب يضيف أعباء اقتصادية واستراتيجية، حتى لو بقيت الجبهة مستقرة. ولهذا فإن الكرملين لا يرفض فكرة اللقاء. ليس لأنه أصبح أكثر ليونة، بل لأن القوة نفسها تحتاج أحيانا إلى استراحة كي تحافظ على صورتها.
أما زيلينسكي، فإن ما يبدو تنازلا قد يكون في الحقيقة أعلى درجات الصلابة السياسية. القائد الذكي لا يفاوض عندما ينهزم. بل يفاوض عندما يدرك أن ميزان القوى يدخل مرحلة السيولة. إنه يشبه لاعب الشطرنج الذي يمد يده إلى قطعة لا ليحركها، وإنما ليجبر خصمه على التفكير. ففي الجغرافيا السياسية، أحيانا تكون الحركة الأهم هي تلك التي تجعل الآخر يتردد. لقد تحولت أوكرانيا خلال هذه الحرب إلى خط صدع يفصل بين عالمين. لكن خطوط الصدع لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. إما أن تتحول إلى حدود جديدة، أو تلتئم فوقها طبقات التاريخ. ومن هنا يمكن فهم دعوة زيلينسكي. إنها ليست رسالة إلى بوتين فقط. بل إلى واشنطن. وإلى بروكسل. وإلى العواصم التي بدأت تتحدث عن تكلفة الحرب أكثر مما تتحدث عن أهدافها. وكأنه يقول للجميع: إذا كان السلام سيأتي، فأريد أن أكون شريكا في كتابته، لا مجرد سطر في نهايته.
في السياسة الكبرى، لا يوجد شيء اسمه مبادرة مفاجئة. هناك فقط معلومات لا نملكها بعد. وربما تكون الاتصالات الجارية بين واشنطن وموسكو أكثر تقدما مما تسمح به التصريحات العلنية. وربما تدرك كييف أن العالم يدخل مرحلة إعادة توزيع النفوذ، وأن من يتأخر عن الجلوس إلى الطاولة قد يجد أن الطاولة نفسها اختفت. فالجغرافيا السياسية ليست لوحة ثابتة. إنها محيط هائل تتحرك فيه القارات كما تتحرك السفن. والدول التي لا تغير اتجاه أشرعتها عندما تتغير الرياح، لا تغرق بسبب العاصفة، بل بسبب عنادها.
قد لا يلتقي زيلينسكي وبوتين غدا. وقد يفشل أي مسار تفاوضي جديد. لكن مجرد طرح فكرة اللقاء يكشف أن الحرب نفسها دخلت طورا مختلفا. لم تعد معركة على المدن وحدها، بل على الرواية التي ستكتب نهاية الحرب. فالمنتصر الحقيقي ليس من يرفع آخر علم فوق آخر مبنى. بل من ينجح في إقناع العالم بأن التاريخ انتهى عند الرواية التي كتبها. وهكذا، يقف زيلينسكي اليوم على حافة مفارقة نادرة: رجل جاء إلى السلطة ممثلا يجيد أداء الأدوار، فإذا به يجد نفسه مطالبا بكتابة المشهد الأخير في أكثر الحروب الأوروبية تعقيدا منذ الحرب العالمية الثانية؛ حيث لا تتصارع الجيوش فقط، بل تتصارع الأزمنة، وتتنافس الخرائط على احتلال الذاكرة، بينما يجلس التاريخ في الخلفية، يراقب الجميع بصبر الجبال، منتظرا من يجرؤ على كتابة السطر الأخير.
📲 Partager sur WhatsApp