بقلم د. أحمد نور الدين, محلل سياسي- المغرب
ليست الكارثة دائما ما تصنعه النار، بل أحيانا ما يصنعه القرار.فالحرائق التي تلتهم الغابات يمكن للطبيعة أن تفسر جزءا منها، أما حين تمتد ألسنة اللهب إلى البيوت والقرى والأرواح، بينما تبقى أبواب المساعدة مغلقة، فإنّ السؤال لا يعود تقنيا، بل يصبح أخلاقيا وسياسيا، وربما قانونيا. منذ سنوات، يعرض المغرب، كلّما اندلعت حرائق كبرى في الجزائر، وضع إمكانياته، وفي مقدمتها طائرات “كانادير”، رهن الإشارة للمساهمة في إخماد النيران. وهو العرض نفسه الذي استفادت منه دول أوروبية، من بينها البرتغال وإسبانيا، في إطار التضامن بين الدول عند مواجهة الكوارث الطبيعية.

فإذا كانت دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي لا ترى في طلب المساعدة انتقاصا من سيادتها، بل ممارسة طبيعية للمسؤولية تجاه مواطنيها، فما الذي يجعل هذا الباب يظل موصدا عندما يتعلق الأمر بالجزائر؟ السؤال لا يوجه إلى الطبيعة، بل إلى السياسة. إنّ الدولة، أي دولة، لا تقاس فقط بقدرتها على امتلاك وسائل القوة، بل أيضا بقدرتها على اتخاذ القرار الذي يحمي حياة الإنسان، ولو اقتضى ذلك قبول يد ممدودة من جار. وهنا يطرح سؤال لا يمكن القفز فوقه: هل يجوز أن تتحوّل الخلافات السياسية إلى سبب لرفض كل تعاون إنساني، حتى عندما تكون الأرواح هي الثمن؟

إنّ القانون، في مختلف التشريعات، يرتب مسؤولية على من يمتنع عن تقديم المساعدة لشخص في خطر متى كان قادرا على ذلك. أما على مستوى القانون الدولي، فإنّ حماية السكان تظل من صميم واجبات الدولة تجاه مواطنيها، وأيّ تقصير جسيم في هذا الواجب يبقى موضوع مساءلة سياسية، وقد يثير، بحسب الوقائع والظروف، نقاشا قانونيا أمام الهيئات المختصة. لهذا، فإنّ القضية اليوم ليست قضية طائرات فقط، بل قضية فلسفة حكم. هل تدار الدول بمنطق إنقاذ الإنسان، أم بمنطق الانتصار على الخصوم، حتى وإن كان الثمن احتراق الغابات وتهجير السكان وفقدان الأرواح؟

إن قبول المساعدة لا يهين الدول، بل يكرمها، لأنّ الكرامة الحقيقية ليست في رفض اليد الممدودة، وإنّما في حماية الإنسان. أما تحويل الكوارث الطبيعية إلى امتداد للصراع السياسي، فهو أخطر من النار نفسها، لأنّ الحرائق تنطفئ بالماء، بينما تحرق القرارات الخاطئة مستقبل الثقة بين الشعوب. الشعب الجزائري ليس خصما للمغرب، كما أنّ الشعب المغربي لم يكن يوما خصما للشعب الجزائري. وما يجمع الشعبين أكبر من كل الخلافات السياسية، وأعمق من كلّ الحسابات الظرفية. وحين تشتعل الغابات، يجب أن تسكت لغة العداء، وأن تتكلم لغة الإنسانية. ويبقى السؤال معلقا أمام الضمير الدولي، لا أمام الإعلام فقط: إذا ثبت أنّ اعتبارات سياسية حالت دون الاستفادة من مساعدة كانت متاحة وقادرة على الحد من الخسائر، فأين تنتهي حدود القرار السياسي، وأين تبدأ مسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها؟ إنّ هذا السؤال، قبل أن يكون قانونيا، هو سؤال أخلاقي. والتاريخ يعلمنا أن كثيرا من القضايا الكبرى بدأت بسؤال، قبل أن تتحول إلى أحكام.
📲 Partager sur WhatsApp