بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
في عالم الجيوبوليتيك قوة الدول هي بقدرتها على إدارة التوقيت، والتحكم في إيقاع التصعيد، وتحويل القوة إلى أداة لإعادة تشكيل البيئة السياسية. ومن هذا المنظور، تبدو الاستراتيجية الإيرانية خلال العقود الأخيرة نموذجًا متكاملًا لما يمكن تسميته “إدارة التصعيد من أجل فرض التفاوض”، وهي مقاربة تقوم على مبدأ بسيط في صياغته، بالغ التعقيد في تطبيقه: إحداث الألم، ثم عرض وقفه مقابل مكاسب سياسية واستراتيجية. لا تنظر طهران إلى القوة باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل تعتبرها لغةً تفاوضية تُكتب بالنار قبل أن تُترجم على طاولات الدبلوماسية. فكل تصعيد محسوب يحمل في داخله رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى الخصم لإثبات القدرة على الإيذاء، والثانية إلى المجتمع الدولي لإقناعه بأن تكلفة استمرار الأزمة ستكون أعلى بكثير من تكلفة التوصل إلى تسوية. وهكذا، يتحول التصعيد إلى استثمار سياسي، لا إلى اندفاع عسكري.
إن الفلسفة الكامنة وراء هذه المقاربة تستند إلى قاعدة راسخة في الفكر الاستراتيجي: الخصم لا يقدّر قيمة السلام إلا عندما يختبر كلفة الحرب. لذلك تسعى إيران إلى توزيع الألم على خصومها بصورة تجعلهم يشعرون بأن استمرار المواجهة سيقود إلى استنزاف طويل ومفتوح، دون أن تنزلق هي إلى مواجهة شاملة قد تهدد بقاء النظام أو تدمير قدراته. ولهذا السبب، تعتمد طهران على ما يُعرف بـ”التصعيد المنضبط”. فهي تضرب، ولكن ضمن سقف محسوب؛ وترد، ولكن بطريقة لا تغلق أبواب الوساطة؛ وتلوّح بإمكانات أكبر، لكنها تترك دائمًا منفذًا للعودة إلى السياسة.
ومن هنا يمكن فهم معادلة التصعيد الإيرانية في أبسط صورها: توزيع الألم… ثم تجميد الألم المتبادل. فبعد أن يشعر الخصم بوطأة الضربات، يصبح عرض وقفها أكثر جاذبية، ويتحول التفاوض من خيار سياسي إلى ضرورة أمنية. ولا تقتصر أدوات هذه الاستراتيجية على القوة العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى شبكة واسعة من وسائل الضغط: النفوذ الإقليمي، والأذرع الحليفة، والحرب السيبرانية، والقدرات الصاروخية، والضغط الاقتصادي غير المباشر، إضافة إلى استثمار الجغرافيا السياسية، ولا سيما في الممرات البحرية الحيوية، بما يمنح طهران أوراقًا متعددة لإدارة الأزمات وفق ميزان المصالح.
كما تدرك القيادة الإيرانية أن ميزان القوى التقليدي لا يميل لصالحها إذا ما قورن بالقوة العسكرية الغربية، لذلك اختارت منذ سنوات تبني استراتيجية الردع غير المتماثل؛ أي تعويض الفجوة في القدرات عبر رفع كلفة أي مواجهة بالنسبة للخصم، بحيث يصبح الانتصار العسكري، حتى لو تحقق، باهظ الثمن سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. في هذا السياق، لا يُقرأ التصعيد الإيراني باعتباره تعبيرًا عن نزعة هجومية مجردة، بل باعتباره أداة لإعادة ضبط ميزان الردع. فكل ضربة تحمل في طياتها محاولة لإعادة تعريف الخطوط الحمراء، واختبار إرادة الخصوم، وقياس حدود ردود أفعالهم، تمهيدًا لبناء معادلة جديدة أكثر ملاءمة للمصالح الإيرانية.
غير أنّ هذه المقاربة ليست بلا مخاطر. فإدارة التصعيد تشبه السير على حافة الهاوية؛ إذ إن أي خطأ في الحسابات، أو سوء تقدير لنوايا الخصم، قد يحول التصعيد المحسوب إلى مواجهة شاملة تخرج عن سيطرة جميع الأطراف. كما أن تعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين يزيد من احتمالات الانزلاق غير المقصود نحو صراع أوسع. ومع ذلك، فإن التجربة الإيرانية تكشف عن قدر كبير من البراغماتية. فطهران لا تتعامل مع القوة بوصفها وسيلة للهيمنة المطلقة، بل كرافعة لتحسين شروط التفاوض وانتزاع الاعتراف بمصالحها الأمنية والإقليمية. ومن هذا المنطلق، يصبح التصعيد مرحلة تمهيدية للتفاوض، لا نقيضًا له. وهنا تتجلى العبارة التي تختزل جوهر هذه العقيدة الاستراتيجية: “نضرب لكي نتمكن لاحقا من عرض إيقاف الضرب.”
إنّها ليست دعوة إلى الحرب، بل توظيف للحرب المحدودة من أجل صناعة السياسة. وهي مقاربة تنتمي إلى مدرسة الواقعية السياسية (Realpolitik)، حيث المواقف بميزان القوة، والأزمات بمنطق المصالح لا بمنطق الشعارات. وسواء اتفق المرء أو اختلف مع هذه الرؤية، فإن فهمها يظل ضروريًا لتحليل سلوك إيران الإقليمي والدولي. فالدول الكبرى والمتوسطة لا تتحرك وفق العواطف، بل وفق حسابات دقيقة للكلفة والعائد. وفي هذا الإطار، تبدو الاستراتيجية الإيرانية محاولة دائمة لتحويل التصعيد إلى أداة ردع، والردع إلى ورقة تفاوض، والتفاوض إلى وسيلة لترسيخ موقعها في معادلات القوة الإقليمية والدولية.
📲 Partager sur WhatsApp